المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: استيقظ العالم قبل أيام على كارثة إنسانية من النوع المفجع، زلزال مُدمّر ضرب الجنوب التركي والشمال السوري.. الصور والمقاطع التي تأتي من هناك لا يمكن وصفها إلا بالمروّعة، أرض تهتز وسماء ترعد وجبال تتمايل، مدن بكاملها تحركت عدة أمتار، أبنية تهاوت تباعا وكأنها أحجار دومينو، وبيوت انهارت على رؤوس قاطنيها، أحياء دُفنوا تحت الانقاض، وأنصاف أحياء تدلّوا من بين الركام، وأشلاء تناثرت في كل مكان، أجساد تبحث عن اطرافها، واطراف تاهت عن اجسادها، أما الناجون الذين افلتوا من الموت بأعجوبة ، فقد باتوا الآن في العراء، يفترشون البرد ويلتحفون الصقيع في مواجهة غير متكافئة مع التشرد والأوبئة والاعاقات، فضلا عن الرعب والخوف وقتامة القادم، إنها حقا حالة من الفوضى العارمة والدمار الشامل، إنه “زلزال القيامة” بكل ما تعنيه العبارة من معنى، بيوت مهدّمة ونفوس محطمة وسلطات عاجزة ورائحة الموت في كل مكان.
أخبار الزلزال تصدرت الإعلام العالمي، والإعلام السويدي بشكل خاص تابع الكارثة أولا بأول، ونقلها بمهنية عالية وتجرد تام، مترفعاً عن كل الاعتبارات السياسية، وجعل جل تركيزه على العمق الانساني للكارثة، وقد كان ملحوظا تعليقات المتابعين من بين السويديين التي كانت تفيض بالإنسانية والتعاطف مع الشعبين التركي والسوري، رسائلهم كانت مفعمة بكلمات الدعم والمواساة للضحايا وعائلاتهم، والتي أظهرت سمو الاعتبارات الانسانية في الضمير الجمعي السويدي.
ولكن!
وفي وسط هذه الملحمة الإنسانية الراقية، وكحال كل المجتمعات البشرية، كان لا بد من بروز بعض النتوءات الطفيلية التي تقتات على الحقد والكراهية، فقد طفت بعض التعليقات الشاذة التي تنضح بالشماتة والتشفي بضحايا هذه الكارثة، شماتة أقل ما توصف به أنها (لا إنسانية ولا اخلاقية)، فلم تردعهم صور الضحايا وصراخ المصابين وعويل الثكالى..
“اللهم لا شماتة”.. اذا سمعت هذه الجملة أعلم انك مُقبل على سيل من عبارات التشفّي المُبطنة.
إن تعليقات الشماتة يجب أن تظل -في الاصل- مدفونة في مهدها حتى لا ترى النور، بل ويجب ردمها في مقبرة الماضي الى أن تتحلل وتبرد حتى في صدور أصحابها، لأن كمية الاستفزاز التي في ثناياها كافية لحرق اعصاب كل مخلوق على هذا الكوكب والكواكب المجاورة، لا سيما أن الأمة ما زالت تبكي ضحاياها وتلملم جراحها ولم تكد تستفق من كابوسها، وفيها من الهم والغم ما يكفيها.
ولكنني آثرت (ولحاجة في نفس يعقوب) أن أجوب بكم في جولة سريعة لنلقي نظرة خاطفة -وإن كانت مؤلمة- على بعض هذه التعليقات، وذلك قبل الاسترسال في هذه المقالة والغوص عميقا فيها:
“ملاحظة: الألفاظ التالية لا تناسب أصحاب القلوب السويّة”
-الشعب الذي يقبل أن يحكمه (ديكتاتور) يستحق ذلك
-إلى الجحيم
-هذا عقاب الربّ
– هذه مجرد البداية، القادم أعظم
-أنا لا اكترث إلاّ (بمن يخصّنا) من الضحايا
– كما تدين تدان، هذا مصير كل من يُعادون أُمّتنا
-لقد سمحوا بإهانة (أُمّتنا)، لا يجب أن نتعاطف معهم
تعليقات مؤلمة ودنيئة وحقيرة.. اليست كذلك؟
إن أقل وصف يمكن أن يوصف به قائلها أنه مريض نفسي، يحتاج إلى مصحة بشكل عاجل لأنه أصبح يمثل خطرا على نفسه وعبئا على من حوله وتهديدا لمجتمعه. كيف لا وقد نُزعت منه أسمى فطرة زرعها الله في قلوب عباده وهي”التعاطف”.
حين كنت أبحث عن مثل تلك التعليقات وأخواتها بين آلاف التعليقات المتضامنة مع ضحايا الكارثة، كنت كمن يبحث عن إبرة في كومة من القش أو بالأحرى كمن يبحث عن شوكة في بستان من الورد، وذلك لقلتها وندرتها، والأجمل من ذلك كله أنها كانت مدفونة وسط أطنان من الردود الراقية التي استهجنت تلك التعليقات ونددت بأصحابها، ولكنها مع ذلك تبقى وحمة عار تشوه وجه السويد الجميل ووصمة سوداء تدنس ثوب السويد ناصع البياض.
ولكن انتظروا!
حين كنت اتصفح هذه التعليقات شعرت أنني كنت قد قرأتها من قبل في مكان ما وبالنص، وكأنها أُخذت كما هي كلمة كلمة وحرفاً حرفا (قص، لصق).. ولكن أين يا هل ترى؟
في نهاية العام 2019، ومع إعلان أولى دفعات ضحايا وباء كورونا في الصين، وحين ركنّا إلى أن الفيروس يبعد آلاف الاميال عنا، وبعد أن ظننا أننا في مأمن منه، خرجت من بيننا بعض الأصوات الشامتة والمُتشفية بالصين وشعبها، مئات المنشورات المقززة التي تنضح بالكره والبغض والتشفّي، وتلك التعليقات التي اوردتها سابقاً انما هي نسخة شبه الاصل من هذه المنشورات.. من قبيل :
-إلى جهنم وبئس المصير
-هذا انتقام الله
-يمهل ولا يهمل
-اللهم اهلك الكافرين وأخرج المسلمين من بينهم سالمين
– كما تدين تدان، تعذبوا كما عذبتم اخواننا الايغور
-اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا
إن الوقت قد حان لنبش مثل هذه المشاركات ونفض غبار النسيان عنها ومقارنتها بما يجري هذه الايام لاخذ الدروس والعبر، فمع كل كارثة طبيعية او نازلة ارضية او فاجعة كونية يتكرر ذات المشهد المقيت الذي تشمئز منه النفوس السوية.
كيف يجرؤ احدهم على إظهار الشماتة بمصائب الناس؟ اين تختبئ انسانيته في تلك اللحظة؟ اين يبيت ضميره في ذلك الوقت؟ كيف تستطيع مجموعة من الناس ان تحمل ذلك الكم من الكره والغل؟ هل هناك انسان يفرح فعلا بمصائب الاخرين؟ هل هناك فعلا شعب (بنسائه وعجائزه واطفاله) يستحق الكوارث؟ وهل فعلا ان الله يعذب عباده في الدنيا بالجملة؟
وقبل أن تظن “أنك محصن من الشعور بالشماتة”.. تعال بنا نجري التجربة البسيطة التالية:
تخيل أن هذا الزلزال المدمر قد وقع -لا قدر الله- في السويد، وتحديدا بعد جريمة حرق المصحف الشريف، كيف تتصور ردة فعل أخوتنا في العالم الاسلامي؟ أو فلنقل كثير منهم.
إن كم اللعنات والدعاء بالهدم والخسف والمسخ التي تلقتها السويد (بسبب سفاهة فرد فيها) كانت كافية لإبادة خضرائها لو استجاب الله لتلك الدعوات، كنا نشعر في تلك الفترة ان كثير من اخواننا في العالم الاسلامي كانوا يعدّون الدقائق والساعات في انتظار (غضب الله) الذي سيجعل عاليَ السويد سافلها، غير مكترثين بالأبرياء والاطفال والعجائز او حتى بإخوانهم من المسلمين السويديين.
لماذا يشعر الانسان بالشماتة؟
يجب التمييز بداية بين الشعور بالشماتة من جهة، وبين إظهارها من جهة أخرى، وبين الافراط في استخدامها من جهة ثالثة، فالإنسان عبارة عن مجموعة من المشاعر المختلطة والمتفاوتة، منها ما هو إيجابي (كالحب والتعاطف والفرح..الخ) ومنها ما هو سلبي (كالبغض والحزن والغضب وحتى الشماتة)، هذه المشاعر فطرية وقد جُبل البشر عليها، وهي متشابكة أيضا، فتجد شخصا يبكي مثلا من شدة الفرح، وتجد آخرا يخاف عندما يسمع خبرا سعيدا، لذلك فان الإنسان لا يستطيع أحيانا التعبير عما يشعر به، وقد يبالغ أحيانا أخرى في إظهار مشاعره ، وقد تخونه تعابير وجهه فيفهمه الآخرون خطأَ وقد تفضحه سقطات لسانه فيترجمها الآخرون كل على قدر فهمه أو بالأحرى على قدر أحكامه المسبقة.
إن المشاعر على إختلاف أنواعها هي ردود فعل بشرية طبيعية ما دام يسيطر عليها صاحبها ويتحكم بها، واي اختلال فيها كمّاً او نَوعا فذلك مؤشر على خلل ما (نفسي او بيولوجي او حتى تربوي واخلاقي)، والشماتة هي احدى هذه المشاعر وهي نتاج طبيعي لنقصنا البشري، وستظل في نطاقها الطبيعي ما دامت أسيرة خلف قضبان ضلوع صدورنا، وما دامت ترضخ تحت سيطرة حِكمة اصحابها.
“يقول الحبر هارولد كوشنر: الشماتة ردة فعل كونية، لا يمكن التحكم بها أو كبحها .. من كتاب عندما تحدث الأشياء السيئة للأناس الجيدين “
إن شعورك بالفرح حين تُخسف الارض تحت أقدام الجندي الذي غزى بلادك وروّع أطفالك لهو أمر طبيعي وغريزي بل ومنطقي، لكن أن يتعداه إلى أن تفرح بخراب بيته وهلاك أهله واطفاله وآبائه إلى سابع جد وذلك لمجرد أنهم من صلبه بل والتشفّي جهارا نهارا بكل مصيبة تحل به وبداره وبمن حوله، لهو دليل على عقدة نقص تشرخ فطرتك الانسانية.
“قال تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ”
وتأخذ الشماتة طابعاً مَرَضِياً وعيباً اخلاقياً وانحرافاً سلوكياً، حين يكون دافعها الحسد والكِبر والكراهية والعنصرية، وهذه للاسف هي الدوافع الرئيسية لاغلب التعليقات الشامتة التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي هذه الايام.
بماذا يُبرر الشّامتون سلوكهم؟
إن اظهار الشماتة بأصحاب الابتلاءات امر لا تطيقه الضمائر السوية، ويحتاج اصحابها الى مسكنات شديدة الفعالية لإسكات ضمائرهم وتبرير وقاحتهم، لذلك فإن لديهم دائما مبررات معلبة وردود جاهزة لتسويق بضاعتهم الكاسدة.. نذكر منها:
1 – صناعة العدو:
إن طبيعة النفس البشرية مجبولة على الفرح بهلاك عدوها، لذلك فان هواة الشماتة يحاولون اقناع انفسهم ومن حولهم ان الطرف الآخر هو مجرد “عدو” يستحق ما يحدث له، فتراهم يحاولون دائما النبش عن اي (حبّة) لدى الطرف الآخر لتحويلها الى (قبة)، ثم ليصنعوا منها سببا وهميا لافتعال اي عداء مع الطرف الاخر كمبرر لتفريغ عقدهم النفسية على شكل تعليقات شامتة.
ففي نظر الشامتين فإن الشعب التركي مثلا يستحق ما جرى له لأنه انتخب (ديكتاتورا)، وإن الصين تستحق الفناء لانهم مجموعة من (الكفار)، وإن السويديين يستحقون الهلاك لأنهم حرقوا أو سمحوا و سكتوا على حرق المصحف الشريف.. وهكذا.
2 – الإعلام:
إن الآلة الاعلامية والسموم التي يبثها السياسيون عبرها تعتبر من أهم الحجج التي يتكئ عليها تجار الشماتة لتبرير تشفيهم بالأخرين، فالعرب (إرهابيون) حسب الاعلام الغربي فهم إذاً يستحقون الموت في نظر الشامتين، والغرب حسب الاعلام العربي (صليبي) فهم إذاً يستحقون العذاب في نظر الشامتين.. الخ.
3 – نظرة التعالي:
إن بعض الذين يمتهنون الشماتة يُعلّقون جُرأتهم على شماعة نظرية متهاوية قائمة على تقسيم الناس الى قسمين، قسم يستحق الخير كله وقسم آخر هو سبب الشر كله، وأن العالم في نظرهم لا يسع الجميع، فمنهم من يرى ان البقاء للاقوى والفناء للأضعف، ومنهم من يعتقد ان الحياة للمتحضر وإن القبر للمتخلف، ومنهم من يؤمن أن الأرض ميراث للمؤمن ولا حق فيها للكافر… وعلى ذلك فقس.
4 – الدين:
يظن البعض أن الله جل جلاله أعطاهم تفويضا لتمييز من يستحقون التعاطف ممن يستحقون الشماتة، وقد اعتمدوا في ذلك على مجموعة من النصوص الدينية والموجودة في كل الاديان والتي يمكن ان تُفهم على اكثر من وجه، فتراهم في كل مناسبة يستدعون هذه النصوص بعد تفسيرها على الوجه الذي يجاري عقدهم وذلك ليبرروا لانفسهم ولمن حولهم فجورهم في الخصومة، وساعدهم في ذلك وللاسف بعض رجال الدين الذين وقعوا اسرى لذات العقدة الاخلاقية.
إن اقحام بعض المصطلحات الدينية الدارجة، وحتى بعض النصوص الدينية في تعليقات الشامتين هو بمثابة اعطاء قداسة كاذبة لآرائهم، وهو بمثابة رسالة مبطنة مفادها “ممنوع الانتقاد او التشكيك”، واقل ما يوصف به اصحابها انهم “الشامتون باسم الله”.
لذلك فان عبارات الشماتة التي تأخذ طابعا دينيا هي الأكثر رواجا والأشد خطورة على الاطلاق، واذا حللنا كل تعليق منها على حدة وبتأنٍ لاستخرجنا اطنانا من المغالطات التي ترتكز عليها:
الكوارث الطبيعية.. هل هي عقاب من الله؟
إن المتتبع للنصوص الدينية سيكتشف وبما لا يدع مجالا للبس، ان الله تعالى وضع على هذه الارض سننا كونية لا تحابي احدا ولا تجامل بشراً، من بينها الكوارث الطبيعية كالزلازل والاعاصير والاوبئة، وقد أمرنا الله تعالى ان نتعامل معها كما هي دون التمادي في الخوض ببعدها الغيبي، بل حضت النصوص على الاخذ بالاسباب الدنيوية للتعامل معها، ابتداء بمحاولة الوقاية منها ومن تأثيرها مرورا بتدارك تبعاتها وآثارها وانتهاء باستنباط الدروس والعبر والاستفادة منها في المستقبل.
ولكن وفي المقابل فان هناك نصوصا اخرى تثبت وقوع كوارث بعينها على بعض الاقوام وعلى سبيل العقاب.
“فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ.. سورة هود 82“
“وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ ٱلْهَيْكَلِ قَائِلًا لِلسَّبْعَةِ ٱلْمَلَائِكَةِ: ‘ٱمْضُوا وَٱسْكُبُوا جَامَاتِ غَضَبِ ٱللهِ عَلَى ٱلْأَرْضِ.. رؤيا 16: 1“
إن المدقق لتلك النصوص سيكتشف امرا بسيطا لا يحتاج الى كبير جهد لاكتشافه، وهو أن الكوارث الطبيعية في حال وقعت على سبيل العقاب فهي اختصاص رباني بحت، ولا سبيل لمعرفة كيفية وتوقيت حدوث هذا العقاب او حتى ان كان قد حدث بالفعل الا عن طريق الوحي والذي انقطع منذ اكثر من 1400 عاما، وان اي ربط لكارثة ما بالعقاب الرباني هو بمثابة التألّي على الله، وادعاء بمعرفة امر غيبي لا يعلمه الا الله تعالى، فما بالكم بمن يتعدى الامر الى ابعد من ذلك فيتوعد ضحايا الكارثة بعد ذلك (بجهنم وبئس المصير)، وكأنه اخذ توكيلا من “الرب” ليتخذ القرارات عنه سبحانه وتعالى، فيدخل من يشاء الجنة ويرسل من يبغض الى النار.
كما تدين تُدان.. “كارما”
إن هذه العبارة جميلة وبرّاقة اذا حافظت على بُعدها الغيبي السماوي، فالإيمان “بيوم” ستُرد فيه المظالم ويعاقب فيه المسيء ويُكافأ فيه المحسن لهو أمر حتمي في اعتقاد المؤمنين، أما في البُعد الدنيوي الارضي فالعبارة مع رونقها وجمالها إلا انها ملغومة ومبهمة، وقابلة لسوء الاستعمال والاستغلال، وتحمل في طيّاتها اطنان من علامات الاستفهام التي تحتاج الى اجابة، فهي لا تعدو كونها نظرية يستحيل الجزم بحدوثها على سبيل اليقين، وان استخدام هذه القاعدة في ربط اي (ابتلاء) يَحِلُّ باحد ما (بذنبٍ) ارتكبه يوما ما انما هو رجم بالغيب.
“الامام الألباني: حديث (كما تدين تدان) حديث ضعيف.. المصدر: ضعيف الجامع“
وأنا لا اعلم حقيقة لماذا يصر البعض على ترويج هذه العبارة وكأنها احدى المسلّمات والبديهيات التي يجب الاخذ بها (عالعميان)، فالضعفاء يصرون دائما على استخدامها لتبرير عجزهم وتكاسلهم، والاقوياء يخدرون بها ضمائر البسطاء ليأكلوا بها حقوقهم، أما بالنسبة “للشامتين” فحدث ولا حرج، فإذا وضعنا هذه العبارة مع اشباهها من قبيل: (يمهل ولا يهمل، والجزاء من جنس العمل..الخ)، لاكتشفنا اننا امام من يستغل بعض النصوص المجتزأة لترسيخ صورة مشوهة.
اللهم احصهم عددا.. “العقاب الجماعي”
تعرض أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم للخيانة والغدر على ايدي مجموعة من مشركي قريش، فأسروه وأذلوه وأمعنوا في تعذيبه، وحين جروه للقتل دعا عليهم قائلا: ” اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا”، ان كل كلمة في هذا الدعاء كانت تصرخ بالألم والمرارة التي ذاقها ذلك المظلوم، وان هذا الدعاء هو القشة التي تعلق بها وهو يُساق الى الموت، وهو أقل ما يمكن أن يقال في ذلك السياق.. ولكن مع مرور الزمن جاء من يصر على اقتطاع هذ الدعاء من سياقه ويتهور في استخدامه، ليعممه على كل من آذاه ولو بشوكة، وعلى كل من يعارضه ولو في الرأي، وعلى كل من يخالفه ولو في الدين، ولم يسلم منه طفل رضيع ولا شيخ عجوز ولا مبتلى قعيد، وفوق كل ذلك استدعاء هذا الدعاء في كل مناسبة على سبيل التشفّي وذلك ليعطي شماتته طابعا دينيا ليسهل ابتلاعها.
وأنا حقيقة لا اعلم كيف يعتقد بعض من يدّعون الايمان، وخصوصا اولئك الذين عاشوا تحت وطأة العقوبات الجماعية لعقود، سواء على يد انظمتهم او على يد المستعمر، كيف يتصورون ان الله الحَكَم العدل الحكيم الرحيم يمكن ان يحصي أُمة بنسائها واطفالها وعجائزها دون ان يغادر منهم احدا، بسبب خطيئة ارتكبها مجموعة منهم؟ كيف سوّلت لهم انفسهم ان يطلقوا العنان للدعاء بالهلاك والابادة على شعوب بأكملها؟
اللهم اخرج المسلمين من بينهم سالمين.. “العنصرية الخفية”
إن هذا الدعاء والذي يدسه الشامتون عادة في شماتتهم هو من اشد العبارات ايلاماً ، ليس لانه ينضح بالعنصرية المقيتة فحسب، ولكن لأنه متداول بإسراف على ألسن البسطاء وهم لا يعلمون كم التمييز الذي يحمله، إن هذا الدعاء والذي اعتدنا ان نردده كالببغاوات في كل مناسبة وعلى كل منبر من أكثر العبارات استفزازا على الإطلاق بالنسبة لي على الأقل، ويجب ان يُمحى من قواميس الادعية المتداولة بين الناس وعلى المنابر، فهو ليس بحديث شريف ولا نص مقدس ولا حتى قول مأثور، ويفيض بالعنصرية -غير المقصودة- والانتقائية غير الحكيمة والتجريح غير المبرر، خصوصا حين يتعلق الامر بالكوارث والاوبئة والحروب، لماذا هذا البُخل ؟ ما الضير لو شملت دعوتك غير المسلمين؟ ألا يستحقون الرحمة؟ هل تعتقد ان رحمة الله تعالى محدودة ولا تكفي الجميع فآثرت أن تحتكرها للمجموعة التي تهمك فقط؟ ام انك تعتقد ان لطف الله تعالى مصمم حصرا لمجموعة بعينها من البشر؟ ام لعلك تظن اننا الوحيدون على هذه الارض من نستحق السلامة والامان؟
جميل جدا أن تخص شخصا ما أو مجموعة بعينها بدعاء خاص، ولكن لكل مقام مقال ولكل مقال مقام، فلا يعقل ان تضرب كارثة بلد ما، ثم يأتي من ينتقي مجموعة معينة من بين الضحايا ليقدم لها الدعم والمواساة وحتى الدعاء، بل ويجاهر ويتباهى بذلك على مرأى ومسمع باقي الضحايا واهاليهم والناس اجمعين.. هذا هو “التمييز” بأبشع صوره.
نكتة الختام..
يحكى أن جحا خرج يوما ليسقي حديقة منزله الخارجية، وحين تناول خرطوم الماء امطرت السماء بغزارة شديدة، فدخل بيته مسرعا وجلب (المظلة) ثم تابع سقاية الحديقة.
لم يكتفِ الشامتون بمطر المصائب الذي هطل فوق رؤوس الضحايا، فأبوا الا ان يتممومها عليهم بزخات شماتتهم.