إذا كانت هناك صعوبات تحول دون وصول سكان الضواحي المهمّشة إلى السياسيين، فلماذا لا يأتي السياسيون بأنفسهم إلى هذه المناطق للحديث مع سكانها والاستماع إليهم؟على هذه الفكرة تحديداً تأسست مبادرة «أسبوع يارفا»، التي تحوّلت لاحقاً إلى مؤسسة تحمل الاسم نفسه، في محاولة لخلق مساحة تجمع السياسيين والمؤسسات المختلفة بسكان الضواحي .

ومن الواضح أن القائمين على «أسبوع يارفا» استلهموا الفكرة من فعالية «أسبوع ألميدالين» الشهيرة في السويد، والتي ارتبطت تاريخياً بالنخب السياسية والاقتصادية بسبب ارتفاع تكاليف المشاركة فيها. وربما كان ذلك أحد الأسباب التي شجعت على أن ينقل «أسبوع يارفا» النقاش السياسي والمؤسساتي إلى الضواحي والفئات الأقل حضوراً في المشهد العام.

بعد أيام، تنطلق فعاليات الدورة العاشرة من «أسبوع يارفا» في منطقة Spånga IP، وذلك بين 27 و30 مايو. ومع هذه المناسبة، يتكرر السؤال الأهم: هل نجح السياسيون فعلاً في الوصول إلى سكان الضواحي؟ وهل تحوّل هذا الحضور السياسي بهذه المناسبة، إلى تأثير حقيقي في حياة الناس؟

عشرة أعوام مرّت على هذه المبادرة التي جذبت العديد من الشركات الداعمة، ولبّت دعوتها مؤسسات حكومية ومنظمات مدنية، إضافة إلى مشاركة جميع الأحزاب البرلمانية، بحضور شخصي من رؤساء هذه الأحزاب في معظم الدورات السابقة.

وعلى مدار سنوات «أسبوع يارفا»، الذي كان يمتد سابقاً لثمانية أيام قبل أن يُختصر خلال العامين الماضيين إلى أربعة فقط، اعتاد الزوار مشاهدة عشرات الأجنحة والخيام المنظمة بعناية، والتي تتحول إلى مقرات مؤقتة للأحزاب السياسية، والمؤسسات الحكومية والبلدية، إضافة إلى شركات خاصة ومنظمات مدنية مختلفة. كما تنتشر ألعاب الأطفال وأكشاك الطعام التي تمثل ثقافات متعددة، إلى جانب الندوات والفعاليات التي تستهدف سكان مناطق مثل رينكبي، وتينستا، وشيستا، وهوسبي، وأكالا وغيرها من ضواحي يارفا.

وبنظرة عامة، يمكن القول إن القائمين على هذه المبادرة والداعمين لها نجحوا، على مدى السنوات الماضية، في توفير كل ما يلزم من تنظيم وإدارة ولوجستيات لضمان نجاح الفعالية شكلياً وتحقيق أهدافها المعلنة. ومع ذلك، تبرز تساؤلات متزايدة حول مستوى اهتمام سكان الضواحي أنفسهم، وهم الفئة الأساسية التي تستهدفها المبادرة.

ففي تقرير ميداني أجرته «الكومبس» قبل أيام بين سكان المنطقة، أبدى عدد قليل ممن شملهم الاستطلاع معرفة كاملة بهذه المبادرة السنوية. كما نشر موقع nyhetsbyranjarva.se العام الماضي، مباشرة بعد انتهاء فعاليات «أسبوع يارفا»، تقريراً أشار إلى تراجع الاهتمام بحضور الفعاليات التي تنظمها الأحزاب والمؤسسات العامة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطعام والمأكولات التي تُباع في الأكشاك، وهي أسعار لا تتناسب مع القدرة الشرائية لغالبية سكانالمنطقة.

هذا بالإضافة إلى مؤشرات عديدة على ضعف المشاركة الشعبية بفعاليات هذا الحدث .
وفي حديث دار أمس بيني وبين أحد الأصدقاء من سكان يارفا، سألته عن سبب ضعف اهتمام الناس بهذه الفعاليات، رغم حضور أبرز السياسيين والمؤسسات إليها. فقال، بما معناه، صحيح أن السياسيين قرروا أخيراً المجيء إلى الضواحي، لكنهم لم يغيّروا خطابهم التقليدي المعقّد. فالناس، بحسب رأيه، لا تريد الغوص أو حتى الاستماع إلى تعقيدات السياسة السويدية، خصوصاً أن كثيرين منهم يعيشون أصلاً حالة من العزلة الاجتماعية بسبب قلة الموارد وضعف فرص العمل وهذه هي مشكلتهم الرئيسية.

ويضيف صديقي أن «أسبوع يارفا» هذا العام يتزامن مع أيام عيد الأضحى، متسائلاً عمّا إذا كان القائمون على الفعالية قد فكّروا بتقديم شيء مجاني أو شبه مجاني لأطفال المنطقة. فحتى الألعاب ليست مجانية، وأسعار المأكولات ليست في متناول الجميع. ويرى أن هذا يعكس أحياناً شعوراً بأن «أسبوع يارفا» يشبه فعالية قادمة من إحدى المناطق الراقية في ستوكهولم لزيارة الضواحي، من دون أن تنجح بالكامل في فهم احتياجات سكانها الحقيقية.

قد لا نتفق تماماً مع هذا التوصيف، ولا ينبغي النظر فقط إلى الجانب السلبي من التجربة. لكن ما يهم هنا هو أن هذه المبادرة، بعد عشر سنوات من انطلاقها، تبدو مثالاً واضحاً على الحاجة إلى إعادة تقييم كثير من مبادرات الاندماج، ليس من حيث التنظيم والحضور فقط، بل من حيث النتائج الفعلية ومدى قدرتها على بناء علاقة حقيقية مع الناس الذين تستهدفهم.

فلا يمكن الاستمرار في تحميل السكان وحدهم مسؤولية ضعف الاهتمام أو قلة المتابعة. المطلوب اليوم خطاب جديد حول الاندماج، يبدأ بكسر العزلة، وتعزيز الشعور بالانتماء، ومواجهة خطاب الكراهية، وينتهي بتوفير فرص العمل والدراسة لسكان الضواحي، حتى تتمكن مبادرات الاندماج من تحقيق نتائج ملموسة، ويؤتي هذا «الزرع» أخيراً حصاداً حقيقياً.

محمود آغا