Beautiful friends watching social media in a smart phone in a coffee shop.
Beautiful friends watching social media in a smart phone in a coffee shop.
2021-03-20

رأي: قبل أيام، تناقشت مع امرأة، قدمّت نفسها لي، على أنها “مؤثرة” (Influenser) على إنستغرام، ولديها أكثر من 100 ألف متابع. تفاجأت أنها من اللحظة الأولى لتعارفنا، استخدمت “كلمات كبيرة” لتوحي على أنها بالفعل “مؤثرة”!

 قالت: “أنا معروف عنّي أنّي ضد الذكورة”!!

قلت: ضد الذكورة؟ أم ضد الرجال؟ أم ضد بعض الرجال؟

أجابت: والله حرام البنات يقبلن نشر صورهن في السوشيال ميديا، ومظاهر بذخ وصرف الرجال ظاهرة عليهن.

فكرت قليلاً مع نفسي، وقلت ما علاقة هذا بذاك؟؟ لكن حاولت أخفي دهشتي، فبادرت الى تدارك الموقف.

 سألتها: في هذه الحالة أليس المفروض تكونين ضد البنات اللواتي يقبلن عرض أنفسهن سطحيات لهذه الدرجة؟ أو حتى ضد هذه الفئة من الرجال؟ لماذا أنت ضد الذكورة؟

طبعا هي من جديد قفزت الى موضوع آخر لا علاقة له بنقاشنا، فأدركت أنها واحدة من “المؤثرات” اللواتي يتسلقن قيم السطحية والتفاهة، مع احترامي الشديد طبعا، لكل المؤثرات والمؤثرين الحقيقين الذين يؤثرون على ما حولهم في قضايا إنسانية حقيقية، بعيداً عن الزيف.

قد تكون هذه السيدة، مثالاً بسيطاً جداً، على كيف أن قيم القبول الاجتماعي، والتأثير، أصبحت في عيون شباب اليوم، بقيادة بعض الـ “مؤثرين” الذين هم بالأساس، نتاج قيم مجتمع قائم على الضحالة والسطحية، يجدون قبولاً من جمهور مُغيب الوعي.

وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، حوّلت العالم بالفعل الى قرية صغيرة، لكن أي قرية؟ قرية تحولت العلاقات الإنسانية والاجتماعية فيها الى عالم افتراضي، ووجوه تقبع خلف “فلاتر”.

الناس تحّولوا في هذه القرية الى روبورتات تمشي على الأرض وبيدها أجهزة ذكية.

قيم الرجولة والأنوثة والخير والشر والحب والصداقة، أصبحت قيم افتراضية، تقاس بـ “اللايكات” والمشاركات وعدد المشاهدات.

الشابة تكتشف ان الشاب الذي كان يتفنن في مغازلتها إلكترونيا قد يهرب ويتركها في أقل موقف يتطلب منه كرجل يقف معها

لمجرد أن يفيق الناس (خصوصا الشباب) على حقيقة انهم كبشر يجب ان يلتقوا الناس فيزيائيا ويختلطوا معهم ويعيشوا معهم، تبدأ الصدمة في التعامل، والقطيعة مع الواقع، فهؤلاء البشر كما لو أنهم ليسوا نفس البشر الذين كانوا يضعون اللايكات على صورهم، ويكيلون المديح والإطراء الخادع لهم.

الشابة تكتشف ان الشاب الذي كان يتفنن في مغازلتها إلكترونيا قد يهرب ويتركها في أقل موقف يتطلب منه كرجل يقف معها. وهكذا عشرات الأمثلة من كلا الجنسين.

قيم الشاب او الشابة لم تعد تقاس بمدى وعي كل منهما بالحياة، وبالمبادئ الإنسانية كالحب والصدق والشجاعة والمروءة والكرم والحب الصادق، بل أصبح من يطلق عليهم “مؤثرين” حتى وان كانوا بقمة التفاهة، ومن هم أكثر “إثارة” و “جمالا” أصبح هؤلاء بحد ذاتهم قيم مجتمعية، يقاس عليها كل شيء.

قيم الرجولة والأنوثة والخير والشر والحب والصداقة، أصبحت قيم افتراضية، تقاس بـ “اللايكات” والمشاركات وعدد المشاهدات.

نعم الزمن اختلف، لكن ليس كل ما هو عصري بالضرورة، فإن قيمته أفضل من السابق. فحضارات كثيرة في البشرية سبقتنا أثبتت انها كانت أرقى وأسمى من حضارة اليوم.

عندما يعيش الكثير من شباب اليوم الحياة الواقعية، سواء في العمل او الزواج، ينصدمون بواقع آخر، هو واقع حقيقة البشر والناس كما هم على أرض الواقع، وليس كما يطرحون أنفسهم في السوشيال ميديا.

 من هنا تبدأ الأزمات النفسية والقطيعة مع الذات، وتبدأ المشكلة مع النفس أولاً ومع الشريك والمحيط الاجتماعي ثانياً، فتكون النتيجة مجتمع بلا هوية اجتماعية كما هو الآن، أو لنقل مجتمع العالم الافتراضي!

نزار عسكر

Related Posts