تقترب مواقف اليسار السويدي، بقيادة الاشتراكيين الديمقراطيين، أكثر فأكثر من مواقف أحزاب اليمين. وهي حالة قد لا تكون شاذة كثيراً عمّا يشهده اليسار الأوروبي، بل والعالمي، منذ سقوط جدار برلين وتفكك المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي.
تسارع هذا الانحياز نحو اليمين بشكل خاص بعد ظهور ما يُسمّى بتيار “الوسط الذهبي” أو “الطريق الثالث” داخل أحزاب اليسار، بقيادة بيل كلينتون في الولايات المتحدة وتوني بلير في بريطانيا. إذ سعى هذا التيار إلى الجمع بين اقتصاد السوق وسياسات الرفاه الاجتماعي، بعيداً عن الاشتراكية التقليدية. وانضم لاحقاً، إلى هذا التوجه أيضاً رئيس الوزراء السويدي الاشتراكي الأسبق يوران بيرشون، الذي مثّل نموذجاً لليسار الأوروبي الجديد القائم على جرّ اليسار نحو الوسط الذهبي القريب من اليمين، بصورة براغماتية وبزعم تحديث الدولة الاجتماعية.
الآن، وتحت قيادة مجدلينا أندرشون، نستطيع رصد ما يمكن اعتباره تجاوزاً جديداً يسجله الاشتراكيون الديمقراطيون لما بعد خطوط الوسط الذهبي، من خلال عدة مواقف ومشاهدات جعلته يتماهى كثيراً مع حزب الموديرات وأحزاب اليمين التقليدي السويدي الأخرى، خصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي بعد حوالي 8 أشهر.
من أبرز هذه المشاهدات ما أعلنه الحزب عن دعمه لمقترح الحكومة وحزب ديمقراطيي السويد (SD) بشأن إمكانية سحب الجنسية السويدية من أشخاص أُدينوا بجرائم تضر بشكل جسيم بـ“المصالح الحيوية” للبلاد. وقد اعتُبر ذلك تحوّلاً في موقف الاشتراكيين الديمقراطيين، بعدما رفض الحزب سابقاً الصياغة الحالية للمقترح التي تتحدث عن “المصالح الحيوية للسويد”، معتبراً أنها غامضة وغير دقيقة، غير أنه أعلن الآن تأييده للنص بصيغته الحالية وفق مقترح أحزاب تيدو. ومع ذلك، لم يسلم الاشتراكيون الديمقراطيون من انتقادات حزب ديمقراطيي السويد نفسه، عندما وصف النائب البرلماني لودفيغ آسبلين هذا التحول بأنه “محاولة يائسة لحفظ ماء الوجه”. ومن شأن دعم الاشتراكيين الديمقراطيين للمقترح أن يسهّل تمريره، إذ يتطلب تعديل الدستور موافقة البرلمان في دورتين انتخابيتين متتاليتين.
ومن المشاهدات أيضاً رفض حزب الاشتراكيين الديمقراطيين دعم مقترح برلماني يهدف إلى وقف ترحيل شباب نشؤوا في السويد مع عائلاتهم ثم يواجهون الترحيل عند بلوغهم سن 18 عاماً، رغم دعم المقترح من أحزاب اليسار والبيئة والوسط. وتقضي المبادرة بتعديل القانون بما يسمح بمنح تصاريح إقامة للشباب حتى سن 21 عاماً بوصفهم مرافقين لذويهم، كما اقترحت إعادة العمل بقاعدة “الظروف الإنسانية الخاصة”.
وعند النظر في كلام المتحدثة باسم الاشتراكيين الديمقراطيين في شؤون الهجرة، إيدا كاركاكينين، ضمن مقابلة مع صحيفة Dagens ETC، نرى أنه لا يختلف كثيراً عن موقف أي حزب يميني آخر، عندما قالت إن السويد يجب أن تعتمد سياسة هجرة صارمة إلى جانب سياسة اندماج قوية، مؤكدة أن “النظام والانضباط” يجب أن يسودا في ملف الهجرة. كما أوضحت أن السويد تعاني مما وصفته بـ“ديون الاندماج” المتراكمة، معتبرة أن تشديد سياسة الهجرة شرط أساسي لنجاح الاندماج.
“أساس للتعاون” مع إيبا بوش
ومن المشاهدات التي تدل على ميل الاشتراكيين الديمقراطيين نحو اليمين ما قالته رئيسة الحزب مجدلينا أندرشون عن وجود “أساس للتعاون” بينها وبين رئيسة حزب المسيحيين الديمقراطيين (KD) إيبا بوش، التي رحبت أيضاً بهذا التعاون.
وآخر هذه المشاهدات ما صرح به المسؤول عن السياسة العمالية في الحزب الاشتراكي، أردالان شكارابي، بأن ائتلافًا يجمع الاشتراكيين الديمقراطيين مع حزب المحافظين سيكون الخيار الأنسب للسويد. أمام كل هذه المواقف والانحيازات نحو اليمين، هناك من يتساءل: ما الذي تبقّى من هوية الاشتراكيين الديمقراطيين اليسارية؟
على الجهة الأخرى، هناك رصد لمواقف ومشاهدات من نوع آخر تحاول إعادة الهوية الأيديولوجية والسياسية المفقودة للحزب، خصوصاً عندما تحدثت رئيسة الحزب مجدلينا أندرشون نفسها قبل أيام قليلة عن “العودة للجذور”، ضمن إعلان الحزب عن وعد انتخابي جديد تحت اسم “وعد المحفظة”. وأشارت إلى أن السويد مرت بسنوات صعبة، وأن الوقت حان ليكون الدور الآن من حظ الناس العاديين، مضيفة أن الحزب “تغير” وعاد إلى جذوره.
ورغم هذه المحاولات لإظهار أن الاشتراكيين يعودون إلى جذورهم اليسارية، ولن يتخلوا عن المبادئ الأساسية في الوقوف مع الفئات الضعيفة، فإن طغيان خطاب اليمين الشعبوي يقلّص القواعد الشعبية لليسار. وهذا ما نلاحظه من خلال ضعف الانتساب إلى الاتحادات النقابية، وابتعاد فئات عدة عن المشاركة في الحياة السياسية والمجتمعية، خصوصاً المولودين في الخارج. ومع ذلك، وأمام كل هذا التقصير الذي يؤدي إلى ضعف قواعد اليسار الشعبية، نجد أن هناك من يطالب أحزاب اليسار بالعودة إلى مواقف ما قبل سقوط جدار برلين، وهناك من يعتقد بأن مجدلينا أندرشون يجب أن تكون مثل تشي جيفارا. وبين هذا وذاك، ربما يحتاج الاشتراكيون إلى خيار ثالث يحفظ لهم فعلاً ماء وجههم اليساري وينقذ في الوقت نفسه شعبيتهم من التآكل.
محمود آغا