المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

تلقت الكومبس رداً على مقال رأي نشرته للكاتب فاروق الدباغ بعنوان “عصفور كفل زرزور.. اثنين طيارة”. وفي ما يلي مقال الرد.

الكومبس -ر أي: في النقاش العام تُقال كلمات قاسية أحياناً؛ وهذا صحيّ ما دام مؤسساً على الوقائع لا على التعميمات، زيارة وزير الداخلية العراقي إلى ستوكهولم (9–10 أكتوبر 2025) لم تكن “استعراضاً” بقدر ما كانت منصة لترتيب تعاون محدّد الأهداف بين بلدين يواجهان، كلٌ بطريقته، تحديات عابرة للحدود لا تُفلح فيها الحلول الأحادية، وقد نتج عنها توقيع مذكرة تفاهم ثنائية تركّز على مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتبادل المعلومات، والتدريب، والتعاون في قضايا الهجرة وملفات العودة، بمشاركة وزارة العدل السويدية والشرطة والجهات المعنية، هذه معلومات رسمية منشورة من الحكومة السويدية ووزارة الداخلية العراقية.

هل يوجد “قاسم مشترك” يستدعي التعاون؟

نعم، عالم الجريمة اليوم يتحرك عبر منصات رقمية وشبكات تمويل ووسطاء قانونيين تمتد من الشرق الأوسط إلى أوروبا، لهذا نصّت المذكرة على مكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، وغسل الأموال، والجرائم السيبرانية، والتبادل الاستخباري وبناء القدرات؛ وهي نقاط عملية لا شعارات عامة. وجود جالية عراقية كبيرة في السويد يعزّز بدوره الحاجة إلى قنوات قنصلية–أمنية فاعلة لتنظيم العودة الطوعية، ومعالجة القضايا العالقة، وتحييد الاستغلال الإجرامي للجاليات، حتى البيان السويدي أدرج صراحةً محور الهجرة والعودة ضمن أهداف الزيارة.

السويد بين الاعتراف بالمشكلة وبناء الأدوات

صحيح أن السويد شهدت موجات غير مسبوقة من عنف العصابات، لكن الحكومة والمؤسسات القضائية–الأمنية تحرّكت بحزمٍ تشريعي وتنفيذي: تبنّت استراتيجية وطنية شاملة ضد الجريمة المنظمة، وخفّضت بعض مؤشرات إطلاق النار القاتل في 2024 مقارنة بـ2023 ، وأقرت تشريعات عديدة. قد يختلف الرأي حول فعالية هذه الأدوات وحدودها الحقوقية، لكنها تُظهر انتقالاً من توصيف المشكلة إلى هندسة استجابات مؤسسية، والتعاون مع العراق يأتي ضمن هذا المنطق لملاحقة الشبكات العابرة للحدود.

العراق بلدٌ في مرحلة تحوّل مؤسسي لا تخلو من التعثّر

العراق أطلق استراتيجية الأمن الوطني 2025–2030 بوصفها إطاراً تجميعياً لإصلاح قطاع الأمن وتعزيز سيادة الدولة والتنسيق بين الجهات المدنية والأمنية، الاتحاد الأوروبي مدد تفويض بعثة الاتحاد الاوروبي للمشورة الى العام 2026 لدعم هذا التحول عبر المشورة الإستراتيجية وبناء القدرات في مكافحة الجريمة المنظمة وإدارة الحدود ومكافحة الفساد وحقوق الإنسان. هذه ليست عناوين؛ إنها مسارات عمل مستمرة بطلبٍ عراقي وبتمويلٍ أوروبي محدّد. وجود أخطاء أو تعثّرات أمر واقع في كل بيئة انتقالية، لكن تعميمها على مجمل المشهد يُفضي إلى أحكام انفعالية لا تساعد صانع القرار ولا الرأي العام؟

من المشروع نقد السياسات العامة في بغداد أو ستوكهولم. لكن لغة التعميم (“الفشل يجذب الفشل”) تُقصي الوقائع: دولة مثل السويد تعترف بالمشكلة وتبني استجابات تشريعية وتشغيلية؛ ودولة مثل العراق تحاول وضع استراتيجية أمن وتمدد شراكات إصلاح القطاع الأمني مع الاتحاد الأوروبي، وتوقّع مذكرة ثنائية مع السويد . إن توقيع مذكرة تفاهم أداةً واقعية لخفض المخاطر، لا وصفةً سحرية. إن وُجدت أخطاء في التطبيق، تُعالَج بالتقويم والتعديل، لا بإلغاء التعاون ولا بإدانة شاملة.

أحمد الهرمزي

مشاور قانوني وكاتب عراقي مغترب