المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: تعيش المجتمعات، بطبيعتها، حالة انقسام في الرؤى والمواقف، حيث يمكن تصنيف البشر إلى صنفين رئيسيين: المتشائمين الذين لا يرون إلا الجزء الفارغ من الكأس مهما كان الامتلاء، والمتفائلين الذين ينظرون إلى الجزء الممتلئ، حتى لو كان صغيراً. هذا الانقسام العاطفي غالباً ما يُعطل النقاش الموضوعي، ويفرض حدوداً صارمة على الحوار، بحيث يتحول إلى جدال عقيم.
في سوريا، هذه الظاهرة تأخذ أبعاداً أشد تعقيداً بسبب الانتماءات العقائدية والسياسية التي تصعّد الخلافات وتؤجج النزعات الشخصية. نجد في كثير من الأحيان أن النقاشات تتحول من مناقشة القضايا الجوهرية إلى هجمات شخصية أو محاولات لتمييع الموضوع الأساسي. هذه السلوكيات تقود إلى ما يمكن تسميته بـ”حوار الطرشان”، حيث يغيب الاحترام، وينعدم الفهم المتبادل، ما يحرم المجتمع من فرصة بناء رأي عام ناضج، ويسهم في إضعاف أفق التغيير الإيجابي.
الأمل في الأقلية الموضوعية
في خضم هذه الفوضى، توجد أقلية واعية تمتاز بقدرتها على الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات وتحليل الأحداث بمنطق موضوعي بعيد عن التحيز. هذه الفئة، مهما كانت خلفياتها الفكرية (إسلامية، قومية، علمانية، ليبرالية)، تُعدّ حجر الأساس لأي حوار بناء. يتميز هؤلاء بالقدرة على الاستماع للرأي الآخر دون تسفيه، مع الحفاظ على الاحترام المتبادل، بغض النظر عن الاختلافات في القناعات.
هذه الأقلية، بفضل قدرتها على إجراء نقاشات بنّاءة وطرح أفكار عقلانية، يمكن أن ترسم خريطة طريق لمستقبل سوريا. بشرط أن تنبذ الطائفية والعنصرية والفاشية، وتؤمن بمبادئ الديمقراطية المدنية، المواطنة المتساوية، وسيادة القانون.
الحاجة إلى حراك سياسي مسؤول
المطلوب اليوم أن تتكاتف هذه القوى الواعية، مهما كانت خلفياتها الدينية أو القومية، لتشكيل تيارات سياسية تحمل برامج واضحة، خدمية وسياسية، تستهدف المجتمع السوري بشكل مباشر. هذه التيارات يجب أن تنزل إلى الشارع، تلتقي بالناس، وتكسب ثقتهم من خلال طرح قضايا حقيقية تمس حياتهم اليومية.
ومن المهم أن تحكم البلاد القوى التي يختارها الشعب من خلال انتخابات ديمقراطية شفافة، بغض النظر عن خلفياتها الفكرية. طالما أن هذه القوى تلتزم بتنفيذ برامجها الانتخابية التي أُختيرت على أساسها، وتحترم القوانين، فهي الأحق بقيادة المرحلة المقبلة.
كما يجب أن تُمنح أي حكومة منتخبة الحق في تعيين الأشخاص الأكثر كفاءة لتولي المناصب العامة، بغض النظر عن دينهم أو طائفتهم أو انتمائهم القومي، طالما أنهم يخدمون المجتمع تحت مظلة القانون ورقابة المؤسسات التشريعية.
لا يمكن بناء المستقبل من خلال نقاشات عقيمة تغذي الانقسامات وتستهلك الوقت. بدلاً من ذلك، يجب أن نستمد الإلهام من تجارب الماضي عندما كانت الشخصيات الوطنية السورية تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية الضيقة، وتجمع الناس على هدف مشترك.
المطلوب الآن أن يكون الحراك السياسي القادم مبنياً على أسس الاحترام المتبادل، والتعددية، والعمل الجاد نحو نظام ديمقراطي يضمن حقوق جميع السوريين. وحدها هذه الروح يمكنها أن تنتشل سوريا من أزمتها، وتفتح الطريق نحو مستقبل أكثر إشراقاً.
فراس أبيش
سوري مقيم في السويد