المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: لقد عشت أكثر من 35 عاماً في السويد، أتابع عن قرب مسار الجالية المسلمة والمهاجرين عموماً، وأواكب التغيرات الاجتماعية والسياسية في هذا البلد الذي اخترناه وطناً. وبصفتي إماماً وخطيباً وفاعلاً اجتماعياً، أجد نفسي اليوم مضطراً أن أكتب بمرارة، لا لأجل التذمّر، بل لأجل لفت الانتباه إلى ما أصبح يشبه الخلل البنيوي في العلاقة بين الجالية والدولة، بين المواطنة والتمثيل، بين الشعارات والواقع.

جيل جديد بنجاحات مهنية… وبتمثيل سياسي هش

صحيح أن كثيراً من أبناء الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين تجاوزوا عقبة اللغة، ودخلوا الجامعات، وبرزوا في المهن والمؤسسات. لكنّ تمثيلهم السياسي بقي محدوداً، ويعاني من الإقصاء. البعض دخل الأحزاب، خصوصاً من الأحزاب اليسارية، غير أن كثيراً منهم صُدم حين وصل إلى مواقع المسؤولية، ليُستهدف أو يُهمّش، بحجة الولاء أو بسبب خلفيته الدينية أو الثقافية، في ظل توجّهات يمينية لا تخفي عداءها للمسلمين والمهاجرين.

الاندماج.. مشروع خُذل

لم يُطلب منّا، نحن المسلمين، حين قدمنا إلى السويد، أن نتخلّى عن ثقافتنا أو ديننا، بل قيل لنا إن الاندماج الإيجابي ممكن، وإن احترام القانون لا يتعارض مع الاحتفاظ بالهوية. غير أن الواقع بدأ يتبدّل: السماح بحرق المصحف باسم حرية التعبير، والاتهامات الموجهة للمهاجرين والأسر المسلمة في قضايا سحب الأطفال، والصورة المشوّهة التي تُقدَّم عنّا في الإعلام والسياسة، كلّها مؤشرات على أزمة ثقة متصاعدة.

بل إن بعض المهاجرين الذين عملوا سنوات، ودفعوا الضرائب، وتعلّقوا بالبلد، عُرض عليهم المال لمغادرته. أما من يحملون الجنسية السويدية، فأصبحوا يخشون فقدانها إن كانوا يحملون جنسية مزدوجة.

غزة.. المرآة التي كشفت ازدواجية المعايير

ثم جاءت الكارثة: حرب إبادة في قطاع غزة، وسط صمت دولي رهيب، وتخاذل أخلاقي مروّع. قُتل عشرات الآلاف، وجُوّع أكثر من مليون إنسان، دُمّرت المستشفيات، ومُنع دخول الغذاء والدواء والماء، وقُصفت المدارس والجامعات والمساجد. وبرغم كل هذا، لم نرَ من معظم الأحزاب السويدية موقفًا إنسانيًا واضحًا، حتى من أولئك الذين طالما تبنّوا خطاب حقوق الإنسان، أو اعترفوا سابقًا بدولة فلسطين.

لا أحد تجرأ على توجيه إدانة حقيقية لإسرائيل، ولا على المطالبة بجلب بعض الجرحى للعلاج. وهذا الموقف ليس صدمة فقط، بل نقطة تحوّل خطيرة. فكيف يمكن الحديث عن العدالة والمساواة وحرية الرأي، بينما الدم الفلسطيني يُراق على الهواء مباشرة، وأشلاء الأطفال تملأ الشاشات، دون أن تهتز ضمائر الساسة.

الغالبية في الجالية ترى أن الصمت على هذه الجرائم، رغم كل التقارير الأممية ومواقف محكمة الجنايات الدولية، يُفقد الخطاب الحقوقي السويدي مصداقيته، ويزيد من الشعور بالعزلة والانفصال عن القرار العام.

هل ننسحب أم نخوض المعركة السياسية؟

البعض يدعو للانسحاب الكامل من الأحزاب. آخرون يرون أن الحل هو إنشاء حزب جديد يمثّل قيمنا، ويقاوم العنصرية والإقصاء، ويمنح الجالية منصة حقيقية. لكن هذا الطرح يصطدم بعدة عقبات: غياب مرجعية جامعة، التشتت بين الجمعيات، والصراعات الفردية على المواقع والوجاهة.

في المقابل، أرى أن أول ما نحتاج إليه هو بناء الوعي السياسي داخل الجالية، وتثقيف الشباب، وتأهيل الكفاءات، والانخراط المنظم في الأحزاب، بالتوازي مع دراسة تجارب الآخرين، مثل مسلمي بريطانيا وأمريكا الذين نجحوا في فرض وجودهم السياسي.

لسنا أقلية عابرة. نحن جزء من هذا البلد. وعلينا أن ننتقل من الهامش إلى صلب المعادلة. لكن ذلك يتطلب عملاً طويل النفس، جماعياً، منظماً، بعيداً عن الفئوية والأنانية. فإما أن ننتج مشروعاً سياسياً ومجتمعياً جاداً، أو نظل ننتظر من يُمثّلنا دون أن يسمع صوتنا.

السويد تستحق أن نساهم في مستقبلها، لكن بكرامة وعدالة ومساواة.

الشيخ سعيد عزّام

إمام وفاعل في الحياة الاجتماعية والسياسية في السويد