المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس- رأي: في مرحلة سياسية حساسة من تاريخ السويد، تصاعد فيها خطاب يعيد تعريف المواطنة ومن يستحقها، أسهمت اعتداءات وصفت بالعنصرية على أرض الواقع، وخطابات كراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في تعميق شعور بعض السويديين ذوي الأصول المهاجرة بالنبذ والتمييز وعدم الانتماء.
لكن بالتوازي مع هذه الحالة، يبرز واقع لا يقل خطورة يستوجب النقاش حول خطابات عنصرية وإهانات يصدرها بعض الأشخاص من أصول مهاجرة ضد مهاجرين آخرين، أو ضد من تجمعهم بهم اللغة والوطن وتفرقهم الديانة أو الثقافة أو طريقة العيش.
الطرح الآن ليس محاولة لتبرير عنصرية بأخرى، ولا تقليلاً من أي تمييز يتعرض له أحد، بل دعوة إلى مصارحة النفس من قاعدة ما ترفضه على نفسك لا تمارسه على غيرك.
ما وراء الخبر.. التعليقات عليه
امرأة منقبة ظهرت في خبر صحفي، فكتبت لها “امرأة” أخرى “تشبهين كيس النفايات”. ومتخصصة في القضايا الاجتماعية قدمت نصائحها وهي لا ترتدي الحجاب، فترك شاب مضمون خبرتها وكتب لها: “استري نفسك قبل أن تعطي رأيك”. وفي خبر عن تعرض أتباع ديانة معينة لموقف عنصري، ظهرت عبارة: “غادروا ونظفوا البلد منكم ومن دينكم”.
ليست هذه العبارات أمثلة افتراضية، بل تعليقات منشورة تكشف ثلاث صور مختلفة للمشكلة وهي اختزال امرأة في لباسها ونزع حقها في الاحترام ، وفرض وصاية أخلاقية على امرأة أخرى لإسكات رأيها، ثم الانتقال من خلاف أو تحيز تجاه أفراد إلى إدانة جماعة دينية كاملة والمطالبة بإقصائها.
تختلف الكلمات، لكن بنيتها واحدة، لا يناقش الإنسان فيما قال أو فعل باحترام، بل يختصر في مظهره أو دينه
أو سلوكه، ثم تُستخدم هذه الأمور كمبرر لتحقيره أو إخراجه من مساحة النقاش، وربما من المجتمع كله.
واللافت أن الأذى هنا لم يأتِ من “الآخر”، بل صدر أحياناً عن أشخاص تجمعهم بالمتضررين لغة واحدة، وربما وطن واحد وتجربة هجرة متشابهة. وهنا تظهر حقيقة مؤسفة أن التعرض للعنصرية لا يجعل الإنسان محصناً تلقائياً من ممارستها على غيره، كما أن معرفة ألم الإقصاء لا تمنع بالضرورة إعادة إنتاجه ضد شخص آخر.
لماذا نصبح أكثر جرأة خلف الشاشات.. وهل نفكر في أثر كلماتنا؟
بماذا يختلف توقيف شخص في الشارع وإهانته بسبب أصله المهاجر أو دينه أو مظهره عن توجيه الكلمات نفسها إليه خلف شاشة؟ ولماذا نصبح أكثر جرأة على بعضنا عندما تتغير الوسيلة، وهل نفكر بأثر الكلمة العنصرية أو المهينة على متلقيها، أباً كان أم أماً أم أسراً أم طائفة أم شعباً بأكمله، وما السبب؟
الحقيقة أن الشاشة تمنح بعض الأشخاص مسافة نفسية عن أثر كلماتهم، فلا يرون تغير ملامح من أهانوه، ولا يسمعون صوته، ولا يواجهون رد الفعل الإنساني المباشر.
قد نختلف مع حزب، ونرفض خطاباً سياسياً، ونحارب أفكاراً عنصرية، لكن المعركة لا تكون صادقة إذا بقيت العنصرية نفسها حاضرة في لغتنا وسلوكنا وتعليقاتنا تجاه الآخر. فالأحزاب يمكن أن تتغير، والخطابات السياسية يمكن أن تتراجع، لكن التخلص من العنصرية كآفة يبدأ من الإنسان نفسه.
رفض الخطاب السياسي العنصري الموجه ضد المهاجرين يجب أن يكون نابعاً من رفض العنصرية نفسها كلغة ومبدأ، لا فقط لأنه موجه ضدنا.
تطبيع لغة الإهانة كنمط مشروع في التعبير عن الرأي
تتلازم العنصرية اليوم مع آفة أخرى لا تقل خطورة في الفضاء الإلكتروني، وهي تطبيع لغة الإهانة كنمط مشروع في التعبير عن الرأي، فمع تكرار الشتائم والتحقير والسخرية، بدأ بعض الناس يتعاملون معها وكأنها جزء طبيعي من الاختلاف، ولغة مشروعة في التعبير.
قوة الحجة لا تقاس بقسوة العبارة. يمكن انتقاد فكرة أو موقف أو سلوك، بل مهاجمتها بوضوح، من دون تحويل صاحبها إلى هدف للسخرية أو الانتقاص من مظهره ودينه وكرامته.
القول لامرأة منقبة إنها تشبه كيس النفايات ليس نقداً للنقاب، بل تحقير لإنسانة وربما أم. ومطالبة متخصصة بأن تستر نفسها قبل إبداء رأيها ليست مناقشة لأفكارها، بل محاولة لنزع أهليتها للكلام بسبب مظهرها. والدعوة إلى “تنظيف البلد” من أتباع دين معين ليست اعتراضاً على معتقد، بل لغة إقصاء تحول جماعة بشرية إلى شيء ينبغي التخلص منه.
وهنا يصبح الحد الفاصل واضحاً النقد يواجه الفكرة بالحجة، أما الإهانة فتستهدف الإنسان حين تعجز عن مواجهة ما يقوله.
موظف لحذف التعليقات .. هل يكفي؟
بلغ حجم الشتائم والإهانات العنصرية في بعض مساحات التواصل درجة باتت معها المؤسسات الإعلامية تستهلك وقتاً وجهداً في مراجعة التعليقات وحذف ما يتجاوز منها حدود النقاش، ليس حجباً للآراء، وإنما حفظاً لكرامات الناس.
فإلى أين يمكن أن نصل إذا استمر هذا التصاعد؟ هل نصل إلى مرحلة تخصص فيها المؤسسة موظفاً متفرغاً لرصد التعليقات المسيئة وحذفها؟ قد يبدو السؤال ساخراً، لكنه يقترب من واقع يصنع مناخاً لا يقتصر أذاه على من يتلقى الإهانة، بل يمتد إلى كل من يفكر في الظهور برأي يخالف ما يعتبره الآخرون وعياً جمعياً أو يمس قناعاتهم، وقد يدفعه إلى الانكفاء والصمت خشية الهجوم الإلكتروني المهين أو العنصري. عندها تتحول التعليقات المسيئة من كلمات عابرة إلى أداة قمع غير مباشرة.
موقفنا من العنصرية .. مبدأ عام أم موقف انتقائي
هذا الواقع لا يقتصر على السويديين من أصول مهاجرة بالتأكيد، ولا على الناطقين بالعربية، بل يرتبط بظاهرة أوسع تتمثل في انتشار الخطاب المسيء والعنصري على الإنترنت.
العنصرية والإهانة لا تصبحان أقل قبحاً حين تتغير هوية مرتكبهما أو يتغير موقعنا منهما، فالعدالة التي تتبدل معاييرها بحسب موقعنا من الظلم تفقد مصداقيتها، وتتحول من مبدأ عام إلى موقف انتقائي.
وعموماً، تبقى المسألة حالة عامة تقتضي وعياً اجتماعياً وقانونياً، وتستدعي حقيقةً الوعي بالمرحلة الجديدة للحد من تفاقم تفلت الاعتداءات الإلكترونية. فبالرغم من أن الفضاء الإلكتروني ليس خارج القانون في السويد، إذ يمكن أن تندرج بعض التعليقات، بحسب مضمونها وسياقها، تحت جرائم مثل التهديد أو الإهانة أو التشهير أو التحريض ضد جماعة أو فئة.
لكن ليس كل محتوى جارح أو مسيء جريمة. وتبقى هناك مساحة بين ما يعاقب عليه القانون وما قد يؤذي الإنسان ويمس كرامته دون أن يصل إلى جريمة قانونياً، ولكنه قاتل للنفوس معنوياً وأكثر.
الربط بين أي خطاب عنصري تجاه السويديين من أصول مهاجرة وعنصرية المهاجرين بين بعضهم البعض محاولة لتحقيق تماثل الشعور، والوصول إلى خلاصة القول إن الأمر لا يقتصر على فئة أو مستوى تعليمي أو خلفية دينية بعينها، فقد يكون العنصري طبيباً أو أستاذاً جامعياً، وقد يكون أمياً، مسلماً أو مسيحياً أو لا يؤمن بشيء، أجنبياً أو عربياً، وقد يكون صاحب منصب أو بلا منصب.
لا وطن للعنصرية.. والأخلاق انعكاس تربية
العنصرية هي القاع الذي تسقط فيه جميع الألقاب عندما يضعف الوعي الإنساني، لا وطن لها، لكنها تجد وطناً في كل نفس ضاق وعيها بالآخر، أما الإهانة فهي مرتبطة بالأخلاق التي تعتبر انعكاساً للتربية، وكلنا مسؤول عن انعكاسه.
ويبقى الأفق الأرحب لنا أن نواصل الدفاع عن كل ما نؤمن به، ولكن دون أن نسيء بالدرجة الأولى إلى أنفسنا ونفقد قيمنا ونحن ندافع عنها.