استطلاعات الرأي اليوم لا ترجّح فوز أحزاب اليمين الحاكمة، وغالباً ما تمنح كتلة المعارضة الحمراء–الخضراء، هامش تقدم على حساب اليمين. غير أن التجارب السابقة تُظهر أنه كلما اقترب موعد الانتخابات، يتقلص الفارق بين الكتلتين، وقد ينقلب المشهد بالكامل خلال أيام. ففي بلد يتغير مزاجه السياسي بسرعة مثل السويد، لا شيء محسوم.

هذه الانتخابات تحمل خصوصية لافتة. فحزب ديمقراطيي السويد (SD) لم يعد مجرد حزب داعم من الخارج، بل أصبح الطريق ممهداً أمامه لدخول الحكومة بوزراء فعليين وقرارات مباشرة.

تخيلوا أن شخصاً بعقلية جيمي أوكيسون، الذي صرّح بأنه يجد صعوبة في اعتبار المسلم الملتزم دينياً جزءاً من الهوية السويدية، قد يصبح وزيراً للهجرة والاندماج لكل السويديين. عندها، مع من سيندمج هو نفسه، إذا كان يتخذ موقفاً منحازاً على أسس فوقية، ويرى أن السويد يجب أن تقوم على ثقافة واحدة، يعتبرها متفوقة على غيرها من الثقافات؟

ولا ننسى أنه دعا أيضاً إلى وقف بناء المساجد، وطرح أفكاراً تتعلق بهدم أو مصادرة بعضها. فهل هذا مجرد رأي سياسي؟ أم بداية لإعادة تعريف من يُعتبر “سويدياً” وفق معاييره ومعايير حزبه؟

وبالطبع، لم تقتصر ردود الفعل على المسلمين فقط، بل صدرت انتقادات وتعليقات حادة من سويديين اعتبروا أن مثل هذه التصريحات لا تمثل القيم السويدية، بل ذهب البعض إلى القول إن أفكار أوكيسون نفسها غريبة عن السويد والسويديين.

تخيلوا أيضاً أن شخصاً مثل ريكارد يومسهوف قد يصبح وزيراً للعدل، وهو الذي وصف الإسلام بأنه “دين مقرف” على حد تعبيره. ومن المفترض أن يكون وزير العدل مسؤولاً عن حماية القانون وضمان حقوق الجميع، لكن يومسهوف يحمل موقفاً مسبقاً من دين يعتنقه مئات الآلاف في السويد. فهل نحن أمام حياد مؤسسات الدولة… أم أمام إعادة توجيهها؟

وإذا وسّعنا الدائرة، نجد شخصيات أخرى مرشحة لتولي مناصب وزارية، مثل لودفيغ أسبلينغ، الذي يرى أن كثيراً من المهاجرين يفشلون في الاندماج، ويعتبرهم مشكلة “تملأ بها” أحزاب اليسار السويد، أو توبياس أندرسون، الذي أثار الجدل بنشر صورة ساخرة لقطار كتب عليها: “المحطة القادمة كابول”.

ليست زلات ألسنة

كما قلنا، هناك أرشيف كامل من التصريحات التي يعتبرها كثيرون صادمة ومقلقة، بل ”عنصرية”، صدرت عن شخصيات مرشحة لتولي مناصب وزارية في حال فازت كتلة اليمين، التي تضم الموديرات والليبراليين والمسيحيين الديمقراطيين، إضافة إلى ديمقراطيي السويد. وهي تصريحات لا يمكن اعتبارها زلات لسان، بل تعكس خطاباً ونهجاً متكاملاً.

قد يعتقد البعض بأن وصول مثل هذه الشخصيات يشكل خطراً على فئة محددة من المهاجرين فقط، لكن في الواقع قد يمتد التأثير ليطال المجتمع بأكمله، عاجلاً أم آجلاً.

نحن أمام احتمال استخدام أدوات الدولة، مثل القانون والسياسات والمؤسسات، ليس فقط لتنظيم السلوك وضمان احترام القوانين، بل أيضاً للتأثير في مسألة الهوية والانتماء. بمعنى آخر، قد لا يقتصر دور الدولة على إدارة الهجرة وضمان الأمن، بل يمتد إلى تحديد ما هو “مقبول ثقافياً”، وما هو “غير مقبول”، ومن يُعتبر منتمياً فعلاً إلى المجتمع، ومن يُنظر إليه كـ”خارج” أو “غير مندمج”.

صحيح أن هناك أحزاباً، حتى من اليسار والوسط، تدعو إلى تشديد شروط اللجوء والإقامة ضمن إطار قانوني، وهذا أمر مفهوم وقابل للنقاش ضمن سياسات الهجرة في أي دولة. فليس من المعقول أن تفتح أي دولة أبوابها لهجرة غير منظمة، كما أنه ليس من المقبول التسامح مع من يتجاوز القانون بحجة عدم القدرة أو الرغبة في الاندماج. لكن عندما يتحول النقاش إلى القول إن ديناً معيناً “لا ينتمي للسويد”، أو إلى الدعوة لإزالة رموزه من الفضاء العام، أو إلى الترويج لفكرة أن معظم المهاجرين غير قابلين للاندماج، فإننا ننتقل من تنظيم القانون إلى محاولة التأثير في الهوية نفسها.

وهنا يتحول النقاش من إدارة المجتمع إلى إعادة تعريفه: من هو السويدي؟ وما هي الثقافة المقبولة؟ وأي أشكال التدين يمكن قبولها؟

في النهاية، تبقى صناديق الاقتراع في سبتمبر هي الحكم، وهي من ستحدد من سيشكل الحكومة المقبلة، وبالتالي شكل السويد في المرحلة القادمة، ضمن نظام ديمقراطي يتيح للجميع المشاركة والتأثير في النتائج.

محمود آغا