المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: وصلتُ إلى السويد عام 2015، وكحال كثيرين، بدأت رحلتي بفترة انتظار طويلة في دائرة الهجرة قبل الحصول على الإقامة. بعد ذلك التحقت ببرنامج تعليم اللغة السويدية للمهاجرين (SFI)، وأنهيته خلال ستة أشهر تقريباً.
ورغم ذلك، لم أشعر حينها أنني مستعدة للاندماج الكامل في المجتمع أو لدخول سوق العمل. حتى أبسط أشكال التواصل كانت تمثل تحديًا حقيقياً، وكنت أعتقد أن ضعف لغتي سيجعل فرص العمل مستحيلة.
لكنني قررت أن أتجاوز هذا الحاجز، فسجلت في مدرسة لتعليم الطهي في مدينة أوبسالا، وبالتوازي تابعت دراسة اللغة في المرحلة الأساسية. كان هدفي واضحاً: تطوير لغتي والانخراط في بيئة عملية من خلال التدريب (praktik). كانت التجربة الأولى صعبة للغاية؛ لم أكن أفهم ما يدور حولي.
ومع ذلك، اخترت ألا أستسلم. كنت أسأل عن كل كلمة لا أفهمها دون خجل، وهو ما اعتبره الآخرون نقطة قوة وساهم بشكل كبير في تطور لغتي.
بعد انتهاء الدراسة، حصلت على عمل في نفس مكان التدريب، لكنني أدركت بعد عدة أشهر أنه ليس مكاني. كان قرار تركه صعبًا، لكنه كان ضروريًا. انتقلت بعدها إلى مدينة رونِّبي وبدأت رحلة جديدة في البحث عن عمل، إلى أن وجدت فرصة في قطاع الرعاية المنزلية (hemtjänst). ورغم التحذيرات من هذا المجال، كان هدفي ألا أبقى دون عمل.
بدأت كموظفة بدوام جزئي (timvikarie)، واستمررت لمدة عامين حتى حصلت على عقد دائم. خلال هذه الفترة، تعرّفت لأول مرة على دور النقابات، عندما واجهت موقفًا في العمل دفعني للبحث والتسجيل في نقابة “Kommunal”. بعد مشاركتي في دورة تعريفية، بدأت أكتشف أهمية العمل النقابي، ولاحظت غياب ممثل للنقابة في مكان عملي.
عُرضت عليّ فكرة أن أصبح ممثلة نقابية. في البداية استبعدت الأمر بسبب صغر سني وضعف لغتي، لكنني قررت خوض التجربة. تم ترشيحي من زملائي، وكانت تلك بداية مرحلة جديدة من التعلم والنمو. لاحقًا، توسعت مسؤولياتي لأشمل دورًا ضمن شؤون الشباب في عدة مناطق، ومع كل خطوة كنت أتعلم شيئًا جديدًا، فالتجربة هي الطريق الوحيد للتطور.
هذا الانخراط قادني تدريجياً إلى الاهتمام بالعمل السياسي، حيث أدركت الترابط الوثيق بين النقابة والسياسة. بدأت كعضوة، ثم انضممت إلى منظمة الشباب في نقابة موظفي البلديات، وتدرجت في المسؤوليات حتى أصبحت رئيسة المنظمة. كما شاركت في أنشطة الشباب ضمن حزب السوسيال، وحصلت على مقعد في مجلس التعليم في بلدية رونِّبي. واليوم، أنا مرشحة لعضوية مجلس المدينة مع قائمة الحزب.
أنظر إلى هذه الرحلة بفخر حقيقي. خلال سنوات قليلة، تمكنت من بناء نفسي في مجتمع جديد بلغة وثقافة مختلفتين. لم يكن الطريق سهلاً، لكنه كان ممكنًا بالإصرار والإيمان بالذات.
في الوقت نفسه، أؤكد أن حجابي وهويتي الدينية لم يكونا يوماً عائقاً أمام اندماجي أو مشاركتي المجتمعية. في السويد، يُنظر إلى الدين كمسألة شخصية، وهذا ما عشته فعلياً. إيماني لم يمنعني من العمل أو بناء العلاقات أو المساهمة في المجتمع، بل على العكس، كنت دائمًا جزءًا فاعلًا فيه.
لذلك، أجد من الضروري التصدي لبعض الخطابات التي تشكك في إمكانية التوفيق بين الهوية الدينية والانتماء الوطني. هذا الطرح لا يعكس واقع المجتمع السويدي اليوم، الذي يقوم على قيم الديمقراطية والتنوع والاحترام المتبادل. المسلمون في السويد ليسوا كتلة واحدة نمطية، بل هم أفراد متعلمون وفاعلون يساهمون يومياً في مختلف مجالات الحياة، ومنها ضرورة مشاركتهم في الانتخابات والعمل السياسي.
أشعر بامتنان كبير لكل ما قدمه لي هذا البلد، وأؤمن أن قوته تكمن في تنوعه. إن التعايش لا يعني التخلي عن الهوية، بل القدرة على الجمع بين الانتماءات المختلفة ضمن إطار مشترك من القيم الإنسانية.
قصتي ليست استثناءً، بل هي واحدة من قصص كثيرة لمهاجرين بدأوا من الصفر ونجحوا في إثبات أنفسهم. مع الحفاظ على هويتهم، من المهم أن تُروى هذه القصص، لأنها تعكس حقيقة مختلفة عن الصور النمطية، وتؤكد أن الاندماج ليس فقط ممكنًا، بل هو واقع نعيشه ونبنيه كل يوم.
نحن لم نأتِ لنكون عبئًا على المجتمع، بل لنكون جزءًا من بنائه.
فيروز لاوندي