المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في أحد صباحات الشتاء الرمادية، وصلني اتصال من إدارة مدرسة ثانوية في مقاطعة دالارنا – مدينة فالون. قال المدير بصوتٍ متحفّظ: “لدينا مشكلة… مشادة بين طالب من أصول مهاجرة ومعلمته في مطعم المدرسة، والموضوع يتصاعد”. حين جلستُ أمامهما، كان الهواء مشحونًا أكثر من الكلمات. الطالب، في السابعة عشرة، عيناه متقدتان بالغضب، وصحنه – كما قيل لي – كان قبل ساعات ممتلئاً بما يكفي لإطعام طفلين. أكل نصفه، ثم حمل البقية إلى سلة المهملات. المعلمة أوقفته وقالت له بهدوء لم يحتمله: “من حقك أن تأكل، لكن ليس من حقك أن تهدر حقّ الآخرين”. اشتعلت العبارة في داخله كشرارة في قشّ يابس، فرفع صوته “تريدين إذلالي… لأنني مهاجر”. لم يكن الاتهام موجّهاً لها وحدها، بل لكل سلطة شعر يوماً أنها تراقبه أكثر مما تراقب غيره.
في جلسة الحوار طلبتُ من كلٍّ منهما أن يتكلم دون مقاطعة. قال الطالب “في بلدي لم نكن نملك هذا الطعام. الآن حين آخذ ما أشاء وأترك ما أشاء، أشعر أنني أخيراً حر. لماذا تحاسبني؟ هي لم تدفع ثمنه”. هنا تدخلت المعلمة بصوتٍ لم يعد رسمياً بل شخصياً جداً: “أمي من أفريقيا. كنت أسمع منها عن الجفاف، عن قرى كانت تقطع أميالًا من أجل ماءٍ عكر. كانت تقول لي: الطعام ليس ملكًا لأحد، هو أمانة في يد من يجده”. سكتت لحظة ثم أضافت: “أنا لم أوقفك لأنك مهاجر. أوقفك لأنني أعرف ماذا يعني أن يكون الطعام حلماً”. كان الصمت هذه المرة مختلفاً؛ لم يعد صمت مواجهة بل صمت كشف.
في السويد الطعام المدرسي مجاني، لكن “مجاني” لا تعني “بلا قيمة”. المجتمع يدفع، والضرائب تدفع، والأرض تدفع. والماء – ذلك الذي نفتح صنبوره بلا تفكير – له تاريخ طويل من العطش في أماكن أخرى من العالم. قلتُ للطالب: “حين ترمي الطعام، أنت لا ترمي بقايا بطاطا، أنت ترمي جهد مزارع ووقود شاحنة وماء نهر. المال قد يكون دُفع، لكن الموارد ليست ملكاً فردياً”.
معنى النعمة
كان ينظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه فجأة وسأل المعلمة: “أمك… من أي بلد في أفريقيا؟”. ابتسمت وحكت له عن مواسم القحط، عن الأمهات اللواتي كنّ يخفين الجوع بابتسامة. في تلك اللحظة انكسر الاتهام؛ لم تعد “معلمة سويدية توبّخ مهاجراً”، بل ابنة مهاجرة تذكّر ابن مهاجر بمعنى النعمة.
وأنا أستعيد تلك الحادثة اليوم، أتذكر مواسم أخرى من العام حين تزدحم موائدنا في رمضان بما لذّ وطاب. تتعدد الصحون، تتراكم الأطباق، وتفيض الموائد بما يفوق الحاجة، وفي نهاية السهرة تُجمع بقايا كثيرة في أكياس سوداء ويُغلق الغطاء عليها كما لو أننا نغلق أعيننا أيضاً.
في رمضان نصوم لنشعر بالجوع، لكننا أحياناً نُفرِط في الإفطار حتى ننسى الدرس. ننسى أن في هذا العالم بطوناً صغيرةً خامصة، أطفالاً ينامون على فراغٍ يقرص أحشاءهم، وأمهاتٍ يقتسمن الرغيف إلى أنصافٍ وأرباع كي لا يشعر الصغار بأن العشاء كان قليلاً.
لسنا مسؤولين عن فقر العالم كله، لكننا مسؤولون عن طبقنا، عن لقمتنا، عما نختار أن نرميه أو نحفظه. العدل لا يبدأ في البرلمانات ولا في الخطب الكبرى، بل يبدأ من المائدة، من قرارٍ صغير: أن نأخذ بقدر حاجتنا، وأن نحفظ النعمة من الإسراف.
في نهاية الجلسة قلت لهما: “الكرامة لا تُمسّ حين نُذكَّر بالمسؤولية، بل تُبنى”. الطعام قد يكون مجانياً، لكن الاحترام ليس كذلك، والعدل يبدأ من طبقٍ لا يُرمى. وفي زمنٍ تتكدّس فيه النعم على موائد البعض وتغيب فيه عن موائد آخرين، تبقى القاعدة بسيطة وإن كانت صعبة: من حقك أن تأكل… لكن ليس من حقك أن تهدر حقّ الآخرين.
فاروق الدباغ