المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس -رأي: إلى كل شاب وشابة شقّوا طريقهم في هذا البلد وسط ظروف صعبة وقاسية: رحلتكم لم تنتهِ عند الوصول إلى السويد، بل بدأت من هناك.
من خلال تجربتي الشخصية، كشاب وصل إلى السويد وحيداً، وتمكّن اليوم من الحصول على شهادة ماستر من الجامعة الملكية للتكنولوجيا (Kungliga Tekniska högskolan – KTH)، أكتب هذه الكلمات لأقول إن الإصرار والعمل الجاد والدعم المناسب يمكن أن يحوّل ما يبدو مستحيلاً إلى حقيقة. فالسويد ليست مجرد محطة عابرة في حياة الإنسان، بل هي وطن ثانٍ منحنا الأمان والفرص، وفتح أمامنا أبواب التعليم والتطور والمشاركة في بناء المجتمع.
بداية جديدة في بلد غريب
عندما وطأت قدماي أرض السويد العام 2015، كنت مراهقاً يافعاً وصلت بمفردي إلى هذا البلد كلاجئ قاصر قادماً من سوريا. تركت خلفي كل ما كان مألوفاً بالنسبة لي: عائلتي، حياتي السابقة، وبيئتي التي نشأت فيها. وصلت وأنا أحمل معي ذكريات الحرب والنزوح، ووجدت نفسي أمام واقع جديد تماماً، كان عليّ أن أفهمه وأتأقلم معه من نقطة الصفر.
لم يكن التحدي مجرد تعلم لغة جديدة، بل كان أكبر من ذلك بكثير. كان عليّ أن أتعرف على مجتمع جديد، وثقافة جديدة، وقوانين ونظام حياة مختلف تماماً عما اعتدت عليه. إن بناء حياة جديدة كشاب صغير بعيداً عن عائلته ليس أمراً سهلاً. فالتحديات لا تكون فقط مادية أو عملية، بل تحمل أيضاً أعباء نفسية واجتماعية عميقة لا يعرف حجمها إلا من عاش التجربة.
المعركة الخفية لإثبات الذات
من أصعب التحديات التي يواجهها العديد من الشباب القادمين إلى بلد جديد، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون دعماً عائلياً مباشراً، هو الضغط الداخلي المستمر لإثبات الذات. قد يشعر الإنسان أحياناً بأنه مطالب ببذل جهد أكبر، وتحقيق نتائج أفضل، وإثبات أنه يستحق مكانه ودوره في المجتمع. هذا الضغط غير المرئي قد يؤدي إلى شعور دائم بالقلق والتعب، لأن الإنسان يعيش وكأنه في سباق مستمر لإثبات قدرته على النجاح. لكن رسالتي لكم هي: لا تجعلوا هذه الضغوط تكسر عزيمتكم. حوّلوها إلى طاقة تدفعكم إلى الأمام. اجعلوا من تجاربكم الصعبة مصدر قوة، وليس سبباً للتراجع.
الوقت هو أثمن ما تملكون
أتوجه اليوم إلى جميع الشباب القادمين من خلفيات مهاجرة وأقول لهم: الوقت هو أحد أثمن الموارد التي تملكونها. قد تكون السنوات الأولى في بلد جديد مليئة بالصعوبات وعدم اليقين، لكنها في الوقت نفسه مليئة بالفرص. لا تنتظروا أن تأتي الفرص إليكم، بل اسعوا إليها. تعلموا اللغة، اقرؤوا، طوّروا مهاراتكم، واستثمروا في تعليمكم. كل يوم يمر دون محاولة تعلم شيء جديد أو تطوير أنفسكم هو فرصة ضائعة. السويد تقدم فرصاً تعليمية كبيرة، وهذه الفرص يمكن أن تغيّر حياة الإنسان إذا قرر الاستفادة منها.
الامتنان الحقيقي يكون بالعطاء
إن التعبير عن الامتنان لبلد منحنا الأمان والفرصة لا يكون بالكلمات فقط، بل بالأفعال. الامتنان الحقيقي يظهر عندما نعمل، ونتعلم، ونشارك، ونصبح جزءاً فعالاً في المجتمع. لقد أصبحت السويد اليوم وطني. وكما أصبحت وطناً لي، يمكنها أن تكون وطناً ثانياً للكثيرين ممن جاؤوا إليها بحثاً عن الأمان وفرصة جديدة. نحن لسنا فقط أشخاصاً تلقوا فرصاً، بل نحن أيضاً شركاء في بناء مستقبل هذا المجتمع.
عندما ننجح في دراستنا، ونعمل، ونشارك في الحياة العامة، فإننا لا نرفع أنفسنا وعائلاتنا فقط، بل نسهم أيضاً في تقدم السويد. الأشخاص القادمون من خلفيات مهاجرة ليسوا عبئاً على المجتمع، بل هم طاقة تحمل معها تجارب ومعارف وثقافات يمكن أن تكون إضافة مهمة للمستقبل.
رحلتي من اللجوء إلى منصات العلم
إن حصولي على شهادة الماجستير كمهندس في الكيمياء التقنية، إضافة إلى الماجستير كمعلم لمادتي الرياضيات الكيمياء من الجامعة الملكية للتكنولوجيا، هو دليل على أن بداية الإنسان في الحياة لا تحدد نهايته. خلف كل إنسان قصة لا يراها الآخرون دائماً. فالظروف الصعبة في بداية الطريق لا تعني أن المستقبل سيكون محدوداً. اخترت مهنة التعليم لأنني أؤمن بقوة التعليم وقدرته على تغيير حياة الإنسان.
المعلم الذي يجمع بين التوقعات العالية والدعم المستمر والإيمان بقدرات طلابه يمكنه أن يفتح أبواباً جديدة أمامهم. وأنا أعرف ذلك من تجربتي الشخصية، فقد كان هناك أشخاص آمنوا بقدراتي عندما كنت شخصاً جديداً في السويد أحاول أن أجد طريقي. واليوم أريد أن أكون هذا الشخص بالنسبة لطلاب آخرين.
رسالتي إلى الجيل القادم
إلى كل شاب وشابة يحاولون بناء حياة جديدة: ثقوا بأنفسكم، ولا تسمحوا لتجارب الماضي أن تحدد مستقبلكم. اجعلوا العلم طريقكم، وطوّروا مهاراتكم، وامتلكوا الشجاعة لتحقيق أحلامكم. السويد أصبحت بيتي، ومعاً نستطيع أن نجعل هذا المجتمع أقوى وأفضل. المستقبل ينتظركم، فكونوا مستعدين لصناعته.
فايز حمزات
مهندس في الكيمياء التقنية ومعلم مرخّص لمادتي الرياضيات والكيمياء. يعمل معلماً، وهو أيضاً عضو منتخب في المجلس البلدي لمدينة سوندبيبيري عن حزب الوسط.