المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: إنه شعور عبثي، وكأنه كابوس يتكرر. قبل أكثر من عام ونصف بقليل كتبتُ في الكومبس أنني أبكي على لبنان. واليوم يجد البلد نفسه مرة أخرى في حالة حرب. ورغم أن إسرائيل واصلت قصف أجزاء من البلاد بشكل متواصل رغم وقف إطلاق النار، فإن ما يحدث الآن يُعد أسوأ أزمة يمر بها لبنان منذ السابع من أكتوبر. يأتي هذا بعد الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حيث تتحول الليالي إلى نهار عندما تتسبب مصافي النفط التي تعرضت للقصف في اندلاع حرائق هائلة، بارتفاع ناطحات السحاب، وكأنها مشاهد من نهاية العالم.

وسط هذا الجحيم الإيراني توجد الشقيقتان دونيا وداريا، اللتان كانتا في الثالثة عشرة والسادسة عشرة من عمرهما عندما وصلتا إلى السويد قادمتين من إيران. قبل بضعة أشهر تم “ترحيلهما كمراهقتين”، وهو مصطلح مهين بقدر السياسة التي جعلت مثل هذا الترحيل ممكناً في السويد، البلد الذي اعتاد أن يصف نفسه بأنه قوة إنسانية عظمى. كانت الشقيقتان قد عاشتا في السويد أكثر من ثماني سنوات.

“حان الوقت لنقول وداعاً”

قالت دونيا لصحيفة أفتونبلادت في أكتوبر: “لم نترك بلداً فقط، بل تركنا حياتنا اليومية وأصدقاءنا وروتيننا والمستقبل الذي بنيناه خلال سنوات طويلة. لهذا كان الانفصال قاسياً إلى هذا الحد”.

وبقي في السويد والداهما المصدومان وإخوتهما الصغار. ثم جاءت المظاهرات ضد الحكم الوحشي للجمهورية الإسلامية. وبدأت إثرها حملات القمع الدموية للنظام. ثم جاءت القنابل الأمريكية والإسرائيلية. وفي إحدى المرات سمعت الأختان انفجاراً على بعد بضع مئات من الأمتار فقط من منزلهما.

تقول إحدى الشقيقتين لصحيفة أفتونبلادت الأسبوع الماضي عبر اتصال هاتفي متقطع: “عندها اعتقدنا أن الوقت قد حان لنقول وداعاً للعالم”.

أفكر في والدة الشقيقتين. في ذلك النوع الخاص من العجز الذي لا بد أن تشعر به عندما يتم إرسال ابنتيها إلى منطقة حرب من قبل البلد نفسه الذي بدأت حديثاً تسميه وطنها. الشقيقتان ليستا حالة استثنائية، بل واحدة من حالات كثيرة تكشف سياسة الهجرة التي تنتهجها الحكومة. لقد وصل الأمر إلى حد أن حزب ديمقراطيي السويد نفسه بات يقبل بضرورة إلغاء ترحيل المراهقين. ففي النهاية، نحن في عام انتخابي.

وفي الوقت نفسه، يشيد سياسيون أنفسهم بالحرب الهجومية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهم السياسيون أنفسهم الذين أمضوا سنوات يدعون إلى الحد من الهجرة، مثل أليس تيودوريسكو موفه (من الحزب المسيحي الديمقراطي)، التي “ترحب” بالحرب. لكن ماذا يظنون سيحدث إذا تزعزع استقرار إيران، أو غرقت في حرب أهلية، أو انهارت بطريقة أخرى؟ بلد يبلغ عدد سكانه 93 مليون نسمة، إذا فرّ فقط 5 في المئة منهم إلى أوروبا، فستبدو ما يسمى أزمة اللاجئين العام 2015 وكأنها نزهة.

الخوف جزءاً من الحياة

في الوقت نفسه يعيش الناس في لبنان مرة أخرى مع الخوف كجزء من حياتهم اليومية. فقد اتخذ حزب الله خيار إطلاق الصواريخ على إسرائيل المتعطشة للحرب، والتي ترد الآن بقصف البلاد بكل قوتها، بل دخلت أيضاً بقوات برية عبر الحدود الجنوبية. ربما لم يكن لبنان لينجو من القنابل الإسرائيلية على أي حال، لكن كثيراً من اللبنانيين يتساءلون: لماذا كان على حزب الله أن يسبق الأحداث.

في جنوب بيروت أمر الجيش الإسرائيلي السكان بالإخلاء من منطقة تكاد تعادل مساحة مدينة ستوكهولم الداخلية. وقد أُجبر أكثر من نصف مليون شخص على ترك منازلهم. وفي مقاطع مصورة على الإنترنت يظهر رجل يقود قطيعه من الأغنام وسط بيروت، سار عدة أيام من جنوب لبنان الذي دمرته الحرب إلى العاصمة مع كل أغنامه. إلى أين يمكنه أن يذهب هو وأغنامه غير ذلك؟

آخر مرة كنت فيها في بيروت كانت في أغسطس 2025. زرت صديقي راشد، الذي يعيش في شقة بحي الروشة المطل على البحر، بالقرب من التكوينات الصخرية الجميلة التي تبرز من الماء، وهي أحد معالم بيروت. بالقرب من ذلك قُصف فندق فاخر “رامادا بلازا الروشة”، قبل أيام من قبل إسرائيل التي قالت إن أعضاء من الحرس الثوري الإيراني كانوا يقيمون فيه. يقع الفندق على بعد نحو 200 متر فقط من الشقة التي أمضيت فيها عشرة أيام الصيف الماضي.

إن بيروت التي تعلمت أن أحبها تتفتت الآن. من يستطيع أن يواصل العيش في مكان يبدو وكأنه محكوم بالتأرجح بين الحرب والبؤس والانهيار الاقتصادي؟ من يملك القدرة على الرحيل؟ وأي البلدان تمتلك من الإنسانية ما يكفي لاستقبالهم؟

تسويق القنابل باعتبارها “تحريراً”

أفهم أن هناك من يحتفل بموت الديكتاتور علي خامنئي. لكن إعلان ذلك بوصفه “تحريراً” هو سذاجة سياسية. مرة أخرى يتم تسويق القنابل على أنها “تحرير”، كما لو أن بلداً يجب أولاً أن يُسحق كي يُنقذ لاحقاً. إنه وهم الاعتقاد بأن الدمار العسكري يمكن أن يحل محل التحرر السياسي، وأن الديمقراطية يمكن أن تنفجر من بين الأنقاض، وأن الناس سيشكرون محرريهم بينما يتفكك بلدهم من حولهم.

من المذهل أن نشهد هذا يحدث مرة أخرى رغم كل الدروس السابقة. فقد أمضت الولايات المتحدة عشرين عاماً وأنفقت آلاف المليارات من الدولارات لاستبدال طالبان في أفغانستان بـ… طالبان.

وبينما تتجه أنظار العالم نحو طهران، تستمر غزة في النزف، ويستمر تدمير الضفة الغربية، في الوقت الذي تسمح فيه الولايات المتحدة نفسها لوكالة الهجرة والجمارك (ICE) بملاحقة أشخاص فرّوا أصلاً من هذا النوع من الحروب والانهيارات التي ساهمت سياسات القوة الأمريكية مراراً في صنعها.

إن القصف الجماعي والموت والدمار تتحول إلى “استراتيجية”، وتصبح حياة البشر المدمرة عملة قابلة للتداول في سياسات القوة، من دون خطة، ومن دون فكرة سياسية، ومن دون أي اهتمام حقيقي بالشعب الإيراني، ومن دون إجابة على أبسط سؤال على الإطلاق: ماذا سيأتي بعد الأنقاض؟

إدغار مانهايمار

المقال مترجم عن اللغة السويدية