المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في مقال لصحيفة سفينسكا داغبلادت، ترسم الكاتبة يوهانا أغيستام صورة قاتمة لواقع الأطفال والشباب الذين نشؤوا في ظل الهيمنة النيوليبرالية، النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يقدّس السوق والمنافسة الفردية، ويحمّل الفرد وحده مسؤولية النجاح أو الفشل، مع تقليص دور الدولة والتضامن الاجتماعي، ما يحوّل الحياة إلى سباق دائم على الإنجاز والربح. ومن خلال هذا النظام تم ترسيخ قيم فردانية مفرطة تقوم على منطق “الأقوى هو الأحق”. جيلٌ بات مهووساً بالمال، والمكانة الاجتماعية، والاستهلاك، والمظهر الخارجي، إلى حدّ الانهيار النفسي، بعدما اختُزل معنى الحياة في الثراء السريع وتحقيق النجاح بأي ثمن.

تشير دراسات اتجاهات الرأي بين الشباب إلى أن حلم أن تصبح مليونيراً قبل سن الثلاثين، وأن تمتلك منزلًا في “عنوان راقٍ”، وأن تعيش نمط حياة فاخر قائم على الاستهلاك المفرط للسلع والخدمات، أصبح معياراً للنجاح والسعادة لدى شريحة واسعة من الجيل الصاعد. هذه القيم الجديدة لم تأتِ بلا ثمن، إذ تدفع بعض الشباب إلى طرق خطرة، من بينها الانخراط في الجريمة المنظمة بحثاً عن المال السريع، أو الهوس المبكر بالأسهم والعملات الرقمية، في سباق محموم نحو الثراء.

ولا يزيد المشهد إلا قتامة هيمنة المؤثرين ومنصات التواصل الاجتماعي على وعي الأطفال والشباب، حيث تدور أغلب المحتويات حول الاستهلاك، والترف، والمظاهر، وصناعة الصورة المثالية. في المقابل، تراجع الاهتمام بقضايا مثل النسوية، ومناهضة العنصرية، والبيئة والمناخ، بينما تظهر مؤشرات على تنامي النزعات المحافظة والتطرف اليميني، خاصة بين الفتيان والشباب الذكور.

أبناء المهاجرين: ضغط مضاعف وهوية معلّقة

في ظل النيوليبرالية لا يواجه أبناء المهاجرين مجرد متطلبات النجاح الفردي فقط، بل يعيشون ضغطاً مركّباً تتقاطع فيه المطالب الاقتصادية مع البنى العنصرية الخفية. يُطلب منهم أن ينجحوا، أن “يثبتوا أنفسهم”، وأن يصعدوا اجتماعياً بسرعة، في مجتمع يربط الكرامة الإنسانية بالقيمة الإنتاجية والإنجاز المادي، بينما تُغلق في وجوههم أبواب كثيرة بصمت.

الخطاب السائد يؤكد أن الفرص متاحة للجميع، وأن الفشل مسألة جهد شخصي، لكن التجربة اليومية تكشف عكس ذلك: أسماء تُستبعد قبل المقابلة، أحياء تُصنَّف، مدارس تُهمَّش، وسقوف غير مرئية تحدد إلى أي مدى يمكن الصعود. في هذا السياق، يتحول التهميش البنيوي إلى فشل شخصي مُعاش، ويُطلب من الفرد أن يتحمّل وحده عبء منظومة غير عادلة.

تتشكل هوية أبناء المهاجرين في هذا الفراغ المؤلم بين الانتماء والإقصاء. هم ليسوا “كفاية” هنا، ولا يُسمح لهم بالعودة الكاملة إلى هناك. يسعون للاعتراف في مجتمع يقيس القبول بالنجاح السريع والمظهر والاستهلاك، بينما تُلاحقهم نظرة الشك والوصم. هذا التعليق الوجودي يجعل الهوية نفسها مشروعاً مرهقاً يحتاج إلى تبرير دائم.

ومع تصاعد ثقافة الثراء الفوري والنجاح الاستعراضي، تتحول بعض المسارات الخطِرة إلى وسائل مختصرة لإثبات الذات، لا بدافع الجريمة بحد ذاتها، بل بحثاً عن الاعتراف والمكانة والمرئية الاجتماعية. في المقابل، ينهك آخرون أنفسهم في سباق لا ينتهي لإثبات أنهم “استثناء ناجح” في منظومة لا ترى إلا القلة.

هكذا، لا يعيش أبناء المهاجرين النيوليبرالية فقط كنظام اقتصادي، بل كاختبار يومي للانتماء والقيمة والحق في الحلم. إنهم مطالبون بالنجاح الفردي، ومحمَّلون جماعياً مسؤولية إخفاقات لم يصنعوها، ما يجعل سؤال العدالة، ومعنى النجاح، وحدود المسؤولية الفردية، سؤالاً وجودياً لا سياسياً فحسب.

ضمن هذا السياق، تنقل الصحيفة تجربة إلينا هارتزل، التي عاشت طفولتها في بروكسل ودرست في مدارس دولية. عانت لسنوات من صداع مزمن تطلّب فحوصات وعلاجاً طويلاً، ورغم ذلك لم يفارقها الإحساس بأنها لا تبذل ما يكفي، لا في الدراسة ولا في حياتها اليومية. وحين خفّت آلام الصداع، تحوّل ضغط الإنجاز إلى هوس بـ“الصحة المثالية”.

تقول إلينا: “كنت أعتقد أنني إن لم أتمرن يومياً أو أمارس اليوغا، فأنا فاشلة وغير صحية، ولن أكون سعيدة”. تجربتها، كما ترى الصحيفة، تعكس ظاهرة أوسع بين الشباب، حيث تحوّل الجسد والشخصية إلى “مشاريع تحسين” دائمة. مفردات جديدة انتشرت على وسائل التواصل: glow up لتحسين المظهر، وlooksmaxing لتعظيم الجاذبية، وhealthmaxing لهوس تحسين الصحة، إلى جانب تحديات قاسية مثل “Project 50” الذي يفرض انضباطاً صارماً لمدة خمسين يومًا متواصلة.

ووفق المقال، تحذّر الباحثة أنيكا ليكسين، الأستاذة المشاركة في علوم الصحة، من أن الشباب اليوم يحاولون التوفيق بين رغبتهم الداخلية في الشعور بالراحة، والضغط المجتمعي الهائل لتحقيق النجاح، في عالم يزداد فردانية. ويضيف الباحث مارتن كارابا باكستروم أن وسائل التواصل الاجتماعي تضخم الإحساس بعدم الكفاية، لأنها تبرز النماذج المتطرفة فقط: الأغنى، والأجمل، والأكثر نجاحاً، وبأسرع وقت ممكن.

النتيجة، بحسب الباحثين، أن مفاهيم كانت تُعدّ أساس “الحياة الجيدة” مثل الاستقرار، والتوازن، والطمأنينة، فقدت قيمتها، لصالح هوس الإنجاز في العمل، والدراسة، والرياضة، والمظهر. حتى الراحة باتت تثير الشعور بالذنب، وكأنها شكل من أشكال الكسل.

تختصر إلينا هذا الواقع بقولها “نحن نعيش في عالم فرداني معزّز بالمنشطات”. عالمٌ يطالب الشباب بتعظيم كل شيء في حياتهم، بينما يدفعون ثمناً نفسياً باهظاً من صحتهم، وسلامهم الداخلي، وإحساسهم بالمعنى.

د. العيد بوعكاز

باحث في شؤون التعددية الثقافية والشباب