المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس ـ رأي: في خطوة تعكس تحوّل الإمارات من مستهلك للتكنولوجيا إلى لاعب مشارك في صياغتها، أعلنت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي مؤخراً عن إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر يحمل اسم K2 Think، مصمم بقدرات متقدمة على الاستدلال وتقليل الأخطاء، ومتاح للباحثين والمطورين عالمياً.
الخبر لم يمر كإعلان تقني عابر، بل أثار اهتمام أوساط أوروبية وغربية رأت فيه إشارة واضحة إلى أن الإمارات لم تعد تكتفي بتبنّي نماذج الذكاء الاصطناعي القادمة من الولايات المتحدة أو الصين، بل تسعى إلى الدخول في شراكات معرفية وبنيوية تعيد رسم خريطة التعاون الدولي في هذا المجال.
من خبر تقني إلى رسالة سياسية-اقتصادية
إطلاق نموذج إماراتي مفتوح المصدر يحمل في طياته رسالة تتجاوز الجانب الأكاديمي: الإمارات تريد أن تكون شريكاً موثوقاً في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، لا مجرد سوق أو مستهلك للحلول الجاهزة.
هذا التوجه ينسجم مع مسار بدأ فعلياً منذ إطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي العام 2017، التي وضعت هدفاً طموحاً يتمثل في دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الدولة، من الخدمات الحكومية إلى الاقتصاد والتعليم، مع الانفتاح على التعاون الدولي بوصفه عنصراً أساسياً للنجاح.
أوروبا شريكاً طبيعياً… لماذا؟
في ظل التنافس الحاد بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، تبحث أوروبا عن شركاء يمتلكون قدرة استثمارية عالية، وبيئة اختبار مرنة، ورغبة في الالتزام بالمعايير الأخلاقية والتنظيمية. وهنا تبرز الإمارات كحالة فريدة.
إطلاق مفاوضات الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والإمارات مؤخراً يعكس هذا التقاطع في المصالح، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة. فبينما تركّز أوروبا على بناء منظومة ذكاء اصطناعي “موثوقة وقابلة للتنظيم”، تقدّم الإمارات نموذجاً قادراً على التسريع والاختبار والاستثمار دون تعقيدات بيروقراطية طويلة.
السويد نقطة تقاطع هادئة لكن مؤثرة
رغم أن التعاون الإماراتي-السويدي في الذكاء الاصطناعي لا يتخذ طابع الاتفاقيات العلنية الكبرى، فإن المؤشرات العملية تكشف عن تقاطع متزايد في المصالح. وهذا ما يتطلب جهداً مشتركاً بين الطرفين لتوسيع هذا التعاون، نظراً لما تمثله السويد تاريخياً وعلمياً في مجال التكنولوجيا الرقمية، مع ما تمثل الإمارات من بنى تحتية حديثة وإرادة حكومية واضحة.
من جهة، وقّعت مؤسسات اقتصادية في البلدين مذكرات تفاهم لتعزيز الاستثمار والتبادل التجاري، وهي البوابة التي تمر عبرها اليوم غالبية مشاريع الذكاء الاصطناعي. ومن جهة أخرى، تحتضن السويد مراكز بيانات وبنى تحتية حاسوبية متقدمة، تُعد عنصراً حاسماً في تشغيل النماذج الذكية على نطاق واسع.
كما أن السويد، عبر مبادرات مثل AI Sweden، تسعى إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج ينسجم مع التوجه الإماراتي القائم على الشراكات العابرة للحدود بدل الاكتفاء بالحلول الوطنية المغلقة.
البعد الإنساني للتعاون
التعاون الدولي في الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الحوسبة والاستثمار، بل يمتد إلى النماذج الاجتماعية لكيفية استخدام هذه التقنية.
في الإمارات، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين جودة الحياة، لا كمصدر لقلق اجتماعي. مبادرة “AI for All”، التي أُطلقت لتدريب مختلف فئات المجتمع على أساسيات الذكاء الاصطناعي، تعكس هذا التوجه، وتضع الإنسان في قلب التحول الرقمي.
هذا النهج يقترب من الرؤية الأوروبية التي تشدد على “الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان”، ما يخلق أرضية مشتركة للتعاون في مجالات مثل: التعليم الذكي، والرعاية الصحية الرقمية، والخدمات العامة الاستباقية.
الاستثمار المشترك حيث تلتقي المصالح
اقتصادياً، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات الاستثمار الجديدة. الإمارات، عبر صناديقها السيادية وشركاتها التكنولوجية، تضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية للحوسبة والبيانات، فيما تبحث شركات أوروبية عن شركاء قادرين على تمويل التوسّع وتحمل المخاطر.
هذا التكامل يخلق معادلة واضحة:
أوروبا: خبرة تنظيمية، ومعايير أخلاقية، وقاعدة بحثية متقدمة.
الإمارات: سرعة تنفيذ، قدرة استثمارية، وبيئة اختبار، واسعة، ومتنوعة.
عند مقارنة الإمارات بالدول الغربية في مسار الذكاء الاصطناعي، لا تبدو المنافسة مباشرة بقدر ما هي تكاملية.
الاتحاد الأوروبي يركّز على التنظيم والحوكمة. فيما الولايات المتحدة تقود الابتكار التجاري السريع. إضافة إلى أن الإمارات تحاول الجمع بين الاثنين: تسريع مدعوم باستثمار سيادي، ضمن إطار تنظيمي مرن.
هذا النموذج يجعلها شريكاً جذاباً لدول أوروبية مثل السويد، التي تبحث عن توازن بين الابتكار والمسؤولية.
إطلاق نموذج مثل K2 Think يفتح الباب أمام سيناريو جديد: نماذج ذكاء اصطناعي تُطوَّر في الإمارات، تُدرَّب على بنى حاسوبية تمتد إلى أوروبا، وتُستخدم في أسواق عالمية، وفق معايير أخلاقية وتنظيمية مشتركة.
هنا لا يعود السؤال: من يقود الذكاء الاصطناعي؟ بل: من ينجح في بناء شبكة شراكات قادرة على الاستمرار؟
شراكة تتجاوز التقنية
ما يجمع الإمارات وأوروبا، والسويد على وجه الخصوص، في ملف الذكاء الاصطناعي، ليس مجرد تبادل مصالح آنية، بل رؤية مشتركة لمستقبل تُدار فيه التكنولوجيا بالتعاون لا بالعزلة.
وفي عالم يتجه نحو الانقسام الرقمي، تحاول الإمارات أن تطرح نفسها كجسر: بين السرعة والتنظيم، وبين الاستثمار والمعرفة، وبين الشرق والغرب.
أشرف جبالي
اختصاصي ذكاء اصطناعي وأمن معلومات