الدفاع عن الفلسطينيين، ومناصرة القضية الفلسطينية العادلة، لا يحتاج إلى الكراهية، ولا إلى إعادة تدوير أفكار عنصرية عمرها مئات السنين. هذه ليست فكرة جديدة، وقد قيلت مراراً، لكن المشكلة أن البعض لا يزال يتعامل معها وكأنها تفصيل ثانوي، ولا يريد أن يتعلم من دروس التاريخ أو من مشاهدات الواقع، رغم أنها مشكلة تمس جوهر مصداقية أي خطاب سياسي أو إنساني حول فلسطين.
من السهل على أي شخص أن يبرر لنفسه نشر مقطع أو تصريح معادٍ للسامية بدعوى أن المتحدث يهودي، أو أن الكلام صادر عن شخصية إسرائيلية معارضة. لكن هل هذا منطق يمكن قبوله ويبرر إعادة نشر الكراهية؟ هل يصبح خطاب الكراهية مقبولاً فقط لأن قائله ينتمي إلى الجماعة نفسها؟
لو خرج مسلم يهاجم الإسلام أو يحرّض ضد المسلمين، هل يصبح من الطبيعي أن نتبنى كلامه ونستخدمه لتبرير الكراهية ضد كل المسلمين؟ وهل كان ممكناً مثلاً تبرئة سلمان رشدي من الإساءة إلى الرسول بحجة أنه وُلد في بيئة مسلمة؟ المعيار ليس هوية المتحدث، بل مضمون الخطاب نفسه، وهذا بالضبط ما يغيب عن كثيرين.
إعادة نشر نظريات المؤامرة حول “سيطرة اليهود على العالم”، أو التقليل من المحرقة، أو الترويج لفكرة أن اليهود كجماعة مسؤولون عن أفعال الحكومة الإسرائيلية، ليس “دعماً لفلسطين”، بل انزلاق إلى خطاب عنصري خطير عرفته أوروبا جيداً ودفع العالم ثمنه باهظاً.
المشكلة أيضاً أن بعض الناس يتعاملون مع وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها مساحة غضب بلا مسؤولية. أي مقطع صادم، أي اقتباس مثير، أي رواية تتوافق مع المشاعر اللحظية، يتم تداولها فوراً دون تفكير أو تدقيق أو وعي بالخلفية التاريخية والسياسية للكلمات المستخدمة.
لكننا نعيش في السويد، في مجتمع حساس جداً تجاه قضايا العنصرية وخطاب الكراهية، وتحديداً معاداة السامية. وهنا يجب أن نفهم شيئاً مهماً: حين يربط الرأي العام السويدي بين العرب أو المسلمين وبين خطاب معادٍ لليهود، فإن الضرر لا يصيب الشخص الذي نشر المنشور فقط، بل ينعكس على صورة جاليات كاملة، وعلى أي نقاش مشروع حول حقوق الفلسطينيين.
الإنسان الواعي والمطلع يركز على جرائم الحرب، أو سياسات الاستيطان، أو الحصار، أو ممارسات اليمين الإسرائيلي المتطرف، بدل أن يحول النقاش فجأة إلى معاداة السامية، فتضيع القضية الأساسية وسط الضجيج. وهذا بالضبط ما يخدم المتطرفين في إسرائيل أكثر مما يخدم الفلسطينيين. لأن أي خطاب غير عقلاني يمنح اليمين الإسرائيلي فرصة ذهبية ليقول للأوروبيين: “انظروا، المشكلة ليست في سياساتنا، بل في كراهية اليهود”.
الأخطر من ذلك أن بعض الشخصيات التي تطمح لدخول العمل السياسي في السويد تقع في هذا الفخ أيضاً. وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة، لأن الشخص الذي يريد تمثيل حزب سياسي أو دخول البرلمان أو العمل العام لا يملك رفاهية الجهل السياسي أو الانفعال العاطفي غير المسؤول.
السياسة في السويد ليست منشوراً غاضباً على فيسبوك، ولا إعادة تغريد لنظرية مؤامرة. السياسة مسؤولية، ووعي، وقدرة على التمييز بين النقد المشروع والتحريض العنصري.
وعندما تتخذ الأحزاب إجراءات ضد شخصيات تورطت في نشر محتوى معادٍ للسامية، يبدأ البعض فوراً باتهام تلك الأحزاب بالخضوع لإسرائيل أو التآمر ضد فلسطين. بينما السؤال الحقيقي يجب أن يكون مختلفاً تماماً: لماذا نخذل نحن أنفسنا؟ ولماذا نصرّ أحياناً على تقديم صورة تؤكد أسوأ الصور النمطية عنا؟
الكراهية لا تحرر شعباً
لا أحد يطلب من العرب أو المسلمين في السويد التخلي عن دعم الفلسطينيين، ولا الصمت تجاه ما يحدث في غزة والضفة الغربية، بل العكس تماماً. هناك حاجة أكبر إلى أصوات عربية واعية، قوية، أخلاقية، وقادرة على الدفاع عن الفلسطينيين بلغة حقوق الإنسان والقانون الدولي والعدالة.
لكن هذه المهمة تصبح مستحيلة عندما تختلط بالعنصرية والكراهية ونظريات المؤامرة. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى خطاب معادٍ لليهود كي تكون عادلة، وكلما كان خطابنا أكثر إنسانية وعقلانية، أصبح دفاعنا عن فلسطين أكثر قوة ومصداقية وتأثيراً داخل المجتمع السويدي.
أما الكراهية، فهي لا تحرر شعباً، ولا تبني وعياً، ولا تصنع عدالة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية حين ينتقل هذا الخطاب من صفحات التواصل الاجتماعي إلى أشخاص يسعون لدخول الحياة السياسية والعمل العام في السويد. فعندما يرشح حزب سويدي شخصاً من خلفية مهاجرة لخوض الانتخابات أو للعمل السياسي، فهذا لا يعني أن الحزب اختاره فقط ليكون “ممثل الجالية” أو ناطقاً باسم قضايا بلده الأصلي طوال الوقت.
كما أنه لا يعني في المقابل أن على هذا الشخص أن يتخلى عن إنسانيته أو اهتمامه بالقضايا الدولية أو مواقفه الأخلاقية تجاه فلسطين أو غيرها. التحدي الحقيقي يكمن في التوازن.
السياسي الناجح من خلفية مهاجرة هو من يستطيع الجمع بين اندماجه الحقيقي في الحياة السياسية السويدية، وفهمه لأولويات المجتمع الذي يعيش فيه، وبين احتفاظه بوعيه الإنساني ومواقفه الأخلاقية تجاه قضايا العالم.
أما تحويل العمل السياسي في السويد إلى امتداد دائم لصراعات الشرق الأوسط، أو اختزال الدور السياسي كله في خطاب عاطفي حول بلد المنشأ، فهو غالباً طريق قصير نحو الفشل والعزلة السياسية.
الأحزاب السويدية لا تبحث فقط عن أشخاص يحملون “خلفية مهاجرة”، بل عن شخصيات قادرة على التفكير السياسي المسؤول، وعلى تمثيل جميع الناخبين، وعلى فهم تعقيدات المجتمع السويدي وقيمه الديمقراطية.
وربما هنا تكمن الفكرة الأساسية لنجاح واستمرار السياسيين من أصول مهاجرة في السويد: أن يكونوا إضافة للحياة السياسية السويدية، لا مجرد امتداد لصراعات مستوردة أو خطابات انفعالية عابرة.
الاندماج السياسي الحقيقي لا يعني الذوبان الكامل، كما لا يعني الانغلاق داخل الهوية الأصلية، بل القدرة على بناء جسر بين الاثنين دون الوقوع في التطرف أو الشعبوية أو خطاب الكراهية.
كما أن النجاح السياسي في السويد يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة المجتمع ومؤسساته، واحتراماً لقواعد النقاش الديمقراطي، والقدرة على بناء الثقة مع مختلف فئات المجتمع، لا فقط مع أبناء الجالية أو من يشاركون الشخص الخلفية نفسها.
ليست مساحة لتفريغ الغضب
السياسي الذي يحصر نفسه في خطاب الهوية فقط، أو يتعامل مع السياسة باعتبارها مساحة لتفريغ الغضب والانفعال، سيجد نفسه معزولاً سريعاً عن التأثير الحقيقي. أما من ينجح في تقديم نفسه كشخصية متوازنة، قادرة على الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان بلغة عقلانية ومسؤولة، فسيكون أكثر قدرة على التأثير وكسب الاحترام داخل المجتمع السويدي.
وفي النهاية، فإن نجاح ذوي الأصول العربية في الحياة السياسية السويدية لن يُقاس بارتفاع الصوت أو بالشعارات الغاضبة، بل بالقدرة على تقديم خطاب عقلاني، أخلاقي، ومسؤول؛ خطاب يدافع عن فلسطين دون أن يسقط في العنصرية، وينتقد الحكومات دون أن يعادي الشعوب، ويؤمن بأن العدالة لا تتجزأ، وأن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يفقد قيمته عندما يكون قائماً على احترام الإنسان أياً كانت هويته أو ديانته.
القضية الفلسطينية، في جوهرها، ليست قضية كراهية، بل قضية حرية وكرامة وحقوق إنسان. وكلما حافظ المدافعون عنها على هذا البعد الإنساني والأخلاقي، ازدادت قدرتهم على كسب احترام المجتمع السويدي والتأثير الحقيقي في الرأي العام والسياسة.
أما الانجرار وراء خطاب الغضب الأعمى أو نظريات المؤامرة، فلن يؤدي إلا إلى عزل الأصوات العربية والمسلمة، وإضعاف القضية التي يسعون للدفاع عنها.
لهذا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على السياسيين أو الناشطين، بل على كل شخص يشارك كلمة أو منشوراً أو رأياً في الفضاء العام. لأن بناء صورة ناضجة ومتوازنة عن الجاليات العربية والمسلمة في السويد يبدأ من الوعي بأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن قوة أي قضية عادلة تكمن في أخلاقية الخطاب الذي يدافع عنها.
محمود آغا