المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: وقفتُ على شرفة أحد الفنادق العريقة وسط مدينة يوتيبوري أدخن سيجارة مع كاتب ناشئ. كان الليل قد تأخر، وزوجان من كؤس النبيذ قد شُربا. فجأة، اندفع صديق، مثقف ومترجم من أصول عربية، إلى الشرفة وصرخ بصوت يكاد يسمعه كل سكان يوتيبوري “قتلوا نصر الله!”
في تلك اللحظة، في ليلة 28 سبتمبر، كانت الأخبار غير المؤكدة تفيد بأن زعيم حزب الله قُتل في غارة جوية إسرائيلية، لكن حين استيقظتُ متعباً قليلاً من مشاغل معرض الكتاب والنبيذ في الليلة السابقة، تأكد الخبر: حسن نصر الله، الزعيم الروحي والأمين العام لميليشيا حزب الله الشيعية اللبنانية، قد قُتل. كانت صدمة. ليس لأنني من مؤيدي حزب الله أو أنني أتعاطف كثيراً مع نصر الله، بل لأن مكانته في لبنان كانت بمثابة رئيس أو رئيس وزراء.
في غضون أسبوع ونصف، لم تنجح إسرائيل في اغتيال نصر الله فقط، بل أيضاً في قتل معظم القيادات العسكرية لحزب الله. إنه أمر صادم بحد ذاته أن تتمكن إسرائيل من فرض هيمنتها عسكرياً على المنطقة بهذه الطريقة. وكل هؤلاء المدنيين، النساء والأطفال الذين يعانون في كل مرة تنفذ إسرائيل فيها ما يسمى الهجوم الموجّه، إضافة إلى أكثر من مليون لبناني أصبحوا الآن نازحين داخل لبنان وفي سوريا. كل ذلك صادم.
كان موقفاً سوريالياً أن ينزل المرء إلى الطابق المزدحم في معرض الكتاب في ذلك اليوم ويرى الحياة مستمرة كالمعتاد. وباستثناء مجموعة صغيرة من الكتّاب والشعراء المؤيدين لفلسطين، وعدد قليل من النقاشات المقررة حول الصراع في الشرق الأوسط (حيث كانت الأصوات الفلسطينية قليلة جداً)، لم تُخصص مساحة كبيرة للحرب في غزة ولبنان. هذا قد يبدو لافتاً، خصوصاً أن إيران ردّت هذا الأسبوع على اغتيال حسن نصر الله بأكبر هجوم بالصواريخ الباليستية في تاريخ العالم. ومن المتوقع أن يكون رد إسرائيل قوياً، ويبدو أن حرباً إقليمية كبرى لم يعد بالإمكان تجنبها، حرب كبيرة ستؤثر بلا شك علينا هنا في الشمال.
كثيرون في السويد يرضون أنفسهم بفكرة أن نصر الله كان زعيماً لجماعة إرهابية، وأنه كان شخصياً إرهابي، وأن لا أحد سيحزن على مقتله. وبغض النظر عن الطريقة التي ينظر بها المرء إلى الزعيم الراحل لحزب الله، فإن هذا الوصف للواقع غير حقيقي. لقد كان حسن نصر الله هو الحامي بالنسبة لكثير من المواطنين الفقراء في لبنان. وكان هو من يقود المقاومة المسلحة ضد إسرائيل بالنسبة لجزء كبير من العالم العربي. غير أن دور نصر الله وحزب الله في سوريا أثار الانتقادات والتساؤلات في العالم العربي. إذ لولا دعم نصر الله، لربما لم يكن الديكتاتور ومجرم الحرب بشار الأسد ليبقى في السلطة حتى اليوم. إن التحالف مع الأسد عسكرياً وسياسياً، في حين نأت حركة حماس بنفسها عنه، ليس إنجازاً يُحسب لنصر الله أو حزب الله.
خلال الأيام القليلة الماضية، رأيت مؤيدين لفلسطين ونشطاء يساريين على وسائل التواصل الاجتماعي يحاولون التعامل مع إرث نصر الله. رأيت شخصاً يكتب شيئًا مثل “عندما يدعم نصر الله حرب بشار الأسد ضد شعبه في سوريا، فأنا ضده. وعندما يقود المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، فأنا معه، ليس الأمر بهذا التعقيد”.
أليس الأمر أكثر تعقيداً من ذلك قليلاً ربما؟ لكن ليس مهمتي تقييم نصر الله، بل أريد فقط تقديم مزيد من وجهات النظر.
اتجاه مقلق أشار إليه صحفي زميل في لبنان هو الشائعات التي تقول إن نصر الله لم يمت إطلاقاً. بعض الحسابات الكبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعي أن السيد (لقب تشريف في الإسلام الشيعي) ما زال حياً. بغض النظر عن موقف المرء من حزب الله، فإن آخر ما يحتاجه سكان جنوب لبنان المثخن بالجراح الآن هو آمال كاذبة. نصر الله مات، وحزب الله ضعُف بشدة. ورغم أن الحزب استطاع قتل عدد من الجنود الإسرائيليين في الأيام الأخيرة، فإن التنظيم أصيب بأضرار بالغة. أما أفقر سكان لبنان، فلم يعد لديهم حامٍ واضح، هم الآن ينامون في الشوارع وعلى الشواطئ في بيروت، هرباً من حملات القصف الإسرائيلية التي لا تعرف الرحمة.
إدغار ماينهامار
الكومبس تنشر المقال مترجماً عن السويدية