المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: الأسبوع الماضي في ستوكهولم، التقيت شاباً في أوائل العشرينات من عمره، وأثناء حديثنا، سألني: “ما هو مجال عملك؟” فأجبته: “أعمل في مجال الوقاية.” توقف قليلاً ثم سألني: ما هي الوقاية؟
سؤاله الذي بقي في ذهني، جعلني أفكر بأن الوقاية غالباً ما يتم تجاهلها، مع أنها واحدة من أقوى الأدوات التي يمتلكها الإنسان. فهي تنقذ الأرواح، وتقوي المجتمعات، وتعزز قدرتها على الصمود. على مستوى العالم، هناك ثلاث تدخلات رئيسية أنقذت أكبر عدد من الأرواح وهي: الوصول إلى المياه النظيفة، واللقاحات، والعلاج بالمضادات الحيوية ومضادات الفيروسات. هذه الإنجازات غيّرت حياتنا وجعلت الوقاية أساساً لتقدم البشرية.
يمكن تصنيف الأمراض إلى نوعين رئيسيين: الأمراض المعدية والأمراض غير المعدية. الأمراض المعدية، مثل الملاريا والسل والتهاب الكبد C، تنتشر بسرعة، لكن يمكن الوقاية منها أو القضاء عليها من خلال إجراءات محددة. أما الأمراض غير المعدية، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان، فتظهر ببطء، ولكن يمكن تقليلها من خلال التعليم والتدخل المبكر وتغيير نمط الحياة.
لقد أظهرت الوقاية قوتها في العديد من النجاحات العالمية. على سبيل المثال، تم القضاء على الجدري من خلال اللقاح، وخفضت مبادرات المياه النظيفة تفشي الكوليرا، وساعدت الحملات التي تشجع أنماط الحياة الصحية في تقليل أمراض القلب. وفي هذا السياق، تُعد مصر مثالاً رائداً في مجال الوقاية، حيث نفذت حملة “100 مليون صحة” التي نجحت في القضاء تقريباً على التهاب الكبد C، كما بدأت تطبيق مبادرة CHAMPS بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) للوقاية من تعاطي المواد المخدرة وعلاجها. هذه الإنجازات تظهر ما يمكن تحقيقه عندما تكون الوقاية أولوية.
الوقاية والمساواة في المعاملة
لكن الوقاية لا يمكن أن تحقق النجاح الكامل إلا إن كانت متاحة للجميع. فالإنصاف هو الأساس لأي استراتيجية فعالة للوقاية. مثلما يجب أن تصل المياه النظيفة واللقاحات إلى كل ركن من العالم لحماية البشرية، يجب أن تصل التدابير الاجتماعية التي تمنع التمييز وعدم المساواة إلى جميع المجتمعات داخل أي دولة.
في مصر، رغم الإنجازات الرائعة في مجال الصحة العامة، فإن هناك مجموعات معينة – مثل مجتمع البهائيين – تواجه تمييزاً منهجياً. لعقود، حُرم البهائيون من حقوق أساسية مثل تسجيل الزواج، والحصول على الخدمات العامة، والفرص المتكافئة في التعليم والعمل. التمييز، مثل المرض، يضعف صحة المجتمع ككل. وكما تصدت مصر بشجاعة لالتهاب الكبد C، فإن لديها الآن فرصة لمعالجة هذه التحديات وبناء مجتمع أقوى وأكثر وحدة.
الوقاية في الصحة والمجتمع
تُعلمنا الوقاية في الصحة درساً ثميناً: التدخل المبكر ينقذ الأرواح، ويقلل المعاناة، ويعزز قدرة المجتمعات على الصمود. الحملة المصرية ضد التهاب الكبد C توضح هذا المبدأ، حيث جمعت بين الفحوصات الشاملة، والتعليم، والعلاج لوقف انتشار المرض. وبالمثل، فإن مبادرة CHAMPS التي أُطلقت بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، تعكس التزام مصر بمواجهة تعاطي المواد المخدرة بحلول استباقية قائمة على الأدلة.
وفي المجتمع، تأخذ الوقاية شكل العدالة والشمول. من خلال ضمان حصول جميع المجتمعات، بغض النظر عن معتقداتها، على الحقوق والفرص نفسها، تمنع الدول الانقسامات والتوترات التي تضعف نسيجها الاجتماعي. التمييز ضد الأقليات، مثل البهائيين في مصر، لا يضر بالأفراد فقط، بل يعيق أيضاً تقدم الأمة ككل. الوقاية في هذا السياق تعني إزالة الحواجز، ومعالجة التمييز المنهجي، وخلق بيئة يمكن للجميع أن يزدهروا فيها.
رؤية للقيادة من خلال الشمولية
تُظهر نجاحات مصر في مجال الوقاية الصحية قدرتها على القيادة من خلال القدوة. هذه الإنجازات تبين أنه مع الرؤية والالتزام الصحيحين، يمكن التغلب على التحديات المعقدة. توسيع هذا النهج لمعالجة عدم المساواة الاجتماعية سيعزز مكانة مصر كقائدة عالمية في التقدم والإنسانية.
يمكن أن تشمل الخطوات العملية:
• الاعتراف بالحقوق المدنية: مثل الاعتراف القانوني بزواج البهائيين، وضمان الوصول المتساوي إلى التعليم، ودمجهم في الخدمات العامة.
• تعزيز الحرية الدينية: احترام حق البهائيين في ممارسة عقيدتهم يساهم في مجتمع متناغم ومتعدد.
• تعزيز الانسجام الاجتماعي: معالجة التمييز المنهجي بشكل استباقي يقوي الوحدة الوطنية وقدرة المجتمع على التقدم.
الوقاية وعد للمستقبل
الشاب الذي سأل في ستوكهولم: “ما هي الوقاية؟” قد يفاجأ عندما يعلم أنها ليست فقط عن اللقاحات أو المياه النظيفة. الوقاية تعني خلق الظروف التي تزدهر فيها الحياة، سواء من خلال القضاء على الأمراض، أو وقف انتشار عدم المساواة، أو ضمان العدالة للجميع.
لقد أظهرت مصر بالفعل ما يمكن تحقيقه من خلال الوقاية الصحية. ومن خلال مبادرات مثل حملة “100 مليون صحة” وبرنامج CHAMPS بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة، أثبتت القيادة والالتزام بحماية شعبها. يمكنها الآن أن تخطو الخطوة التالية من خلال معالجة عدم المساواة الاجتماعية. من خلال ضمان العدالة والكرامة لجميع مواطنيها، بما في ذلك مجتمع البهائيين، يمكن لمصر أن تلهم العالم برؤية للوحدة والإنصاف والشمولية.
لأن الوقاية ليست فقط عن تجنب الأذى. إنها عن بناء مستقبل يمكن فيه لكل فرد، وكل مجتمع، وكل أمة أن تحقق إمكاناتها الكاملة. وهذا مستقبل يستحق السعي لتحقيقه.
د. زياد الخطيب