المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: يشتد النقاش حالياً على صفحات التواصل الاجتماعي حول الانتخابات المقبلة وتأسيس الأحزاب الجديدة رغم أنه يفصلنا عن الانتخابات ما يقارب 14 شهراً. وفي اعتقادي أن هذا يعكس اهتماماً ملحوظاً بأهمية الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة لأنها ستكون حداً فاصلاً في مستقبل السويد وتحديداً في مستقبل وموقع المهاجرين وما سوف ينتج عنها من قوانين وقيود تتعلق بوجود المهاجرين والتعامل معهم.
إن هذا الاهتمام يعكس وعياً مبكراً بأهمية المشاركة في الانتخابات كحق يكفله الدستور لكل المواطنين لاختيار من سيحكم البلد في السنوات الأربع المقبلة، كما يعكس تخوفاً مشروعاً عما ستؤول اليه نتائج الانتخابات خصوصاً أن الفارق بين الكتلتين اليسارية واليمينية ليس كبيراً.
ان دخول الأحزاب الصغيرة أو التي يُزمع ان تؤسس قبل الانتخابات بفترة قصيرة سينعكس سلباً على تحديد ملامح الانتخابات، وذلك بسبب نقص التعبئة وفهم البرامج والأهداف من قبل كلا القائمين على تلك الأحزاب والجمهور الذي تتوجه له.
إن السويد تمتلك خصوصية وتميُزاً وتاريخاً طويلاً من النجاحات والخيبات للأحزاب التقليدية والطارئة، حيث تمت محاولات عدة لتأسيس أحزاب صغيرة لكنها سرعان ما انطفأت من دون أن تحقق شيئاً ملحوظاً ومؤثراً في السياسة والقرارات المهمة فيما عدا أن أياً منها لم يتخطّ نسبة 4 بالمئة كي يكون له تمثيل في البرلمان، نذكر منها:
العام 1991 – حزب الديمقراطية الجديدة (Ny Demokrati)
العام 2004 – حزب قائمة يونيو
العام 2005 – حزب المبادرة النسوية (Feministiskt initiativ) وكانت تقوده رئيسة حزب اليسار الحالي
العام 2008 – حزب السويديين (Svenskarnas parti)
وقد سبقتها محاولات عديدة لكنها فشلت جميعاً.
في الانتخابات البرلمانية السويدية التي جرت في 11 سبتمبر 2022، شهدنا مثالاً صارخاً على الكيفية التي تستطيع بها الأحزاب الصغيرة وغير الممثلة في البرلمان أن تؤثر بشكل مباشر على نتائج الانتخابات، وبالتالي على مستقبل تشكيل الحكومات والسياسات في البلاد.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن أحزاباً عريقة كان لها تمثيل دائم في البرلمان السويدي تعيش الآن تحت الخشية من ألا تبلغ عتبة الـ 4 بالمئة من الأصوات وتصبح خارج البرلمان ومنها حزب اللبراليين الذي تأسس العام 1902 والحزب الديمقراطي المسيحي الذي تأسس العام 1964 حسب استطلاعات الرأي المعتمدة، فما بالك بالأحزاب الجديدة التي لا تتوجه إلى عموم السويديين وإنما يكون هدفها المهاجرين فقط الذين يشكلون في الواقع 26 بالمئة من السكان ممن لديهم خلفية اجنبية أي انهم إما ولدوا خارج السويد أو ولدوا لأبوين ولدا خارج السويد. مع التفكير بأن هذه الفئة من المجتمع تنتمي الى من أكثر من 150 قومية ولغة، فكيف الوصول اليها وبأي طريقة.
في اعتقادي بأن الحزب الذي لا يستطيع الوصول إلى كل المواطنين السويديين بغض النظر عن أصلهم، خلفيتهم، موطنهم الأصلي، جنسهم، ديانتهم، ثقافتهم لن يكون له موطئ في البرلمان.
هامش ضئيل حاسم بين الكتلتين الكبيرتين
حصل التحالف الأحمر-الأخضر الذي يضم الأحزاب: الحزب الاشتراكي الديمقراطي، حزب اليسار، حزب البيئة، حزب الوسط ما مجموعه 3 ملايين و165 ألفاً و 711 صوتاً، أي ما يعادل 173 مقعداً في البرلمان.
في المقابل، حصل التحالف اليميني الذي يضم: حزب المحافظين، الديمقراطيين المسيحيين، الليبراليين، ديمقراطيي السويد ما مجموعه 3 ملايين و212 ألفاً و7 أصوات، أي ما يعادل 176 مقعداً في البرلمان.
ان الفارق بين الكتلتين كان 3 مقاعد فقط، ما منح اليمين أغلبية ضعيفة جداً. هذا التوزيع يعني أن التحالف الأحمر-الأخضر كان بحاجة إلى مقعدين إضافيين فقط، أي الوصول إلى 175 مقعداً، لتحقيق الأغلبية التي تخوله تشكيل الحكومة.
فارق الأصوات الحقيقي: أقل من 50 ألف صوت
بلغ الفارق بين الكتلتين حوالي 46 ألفاً و296 صوتاً فقط، وهو ما يعادل تقريباً 0.7 بالمئة من إجمالي الأصوات الصحيحة. هذا يعني أنه لو تغيّر هذا العدد البسيط من الأصوات لصالح التحالف الأحمر-الأخضر في الدوائر الانتخابية المناسبة، لكان بإمكانهم انتزاع مقعدين إضافيين والحصول على الأغلبية.
أين يظهر دور الأحزاب الصغيرة مثل حزب “نيانس” او أي حزب ناشئ؟
هنا يظهر حزب نيانس الذي تأسس قبل الانتخابات بفترة وجيزة وركز حملته بشكل أساسي على قضايا المسلمين والمهاجرين، فقد حصل هذا الحزب على 28 ألفاً و352 صوتاً في عموم السويد، أي ما يعادل 0.44 بالمئة من الأصوات الصحيحة.
ورغم أن هذه النسبة لم تؤهله لتجاوز عتبة دخول البرلمان (4 بالمئة)، فإن حجم الأصوات التي حصل عليها يقارب الفارق الذي كان سيمنح التحالف الأحمر-الأخضر الأغلبية. بمعنى رياضي بحت، لو ذهبت هذه الأصوات مثلاً إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لكان بمقدورهم كسب الأغلبية بـ 175 مقعداً وتشكيل الحكومة.
ماذا يخبرنا هذا عن مستقبل السياسة السويدية؟
هذا السيناريو يبرهن أن الأحزاب الصغيرة، حتى لو لم تعبر عتبة البرلمان، يمكن أن تسحب أصواتاً كافية لتغيير توازن القوى بالكامل، سواء عن قصد أم من دون قصد.
إن هذا لابد أن يدفعنا إلى أن نفكر بشكل عقلاني أين سنضع صوتنا كي نقرر أو نسهم في تقرير مستقبل البلاد للسنوات الأربع المقبلة.
إن الأرقام لا تكذب ففي انتخابات 2022، كان الفارق الذي حسم تشكيل الحكومة أقل من 50 ألف صوت. وحزب صغير مثل “نيانس”، بـ28 ألف صوت تقريباً، كان له نصيب من ترجيح الكفة عبر إضعاف أحد الأطراف.
وهكذا نرى كيف أن كل صوت، وكل حزب مهما كان حجمه صغيراً، قادر على تغيير مسار السياسة السويدية لسنوات ان لم يكن لعقود مقبلة.
ما أود التوصل إليه أن كل مهاجر يتحمل مسؤولية ما تؤول إليه نتائج الانتخابات القادمة معتمداً على مشاركته أولاً في الانتخابات بشكل جدي، وثانياً على من سيرشح ومن سيلبي طموحاته ومقعه في خارطة السياسة وصنع القرار في السويد.
بعد أن تظهر نتائج الانتخابات لن يكون هناك مجال للتذمر أو الاحتجاج إذا ما كانت القوانين او القرارات لا تروق لك أو لغيرك.
اذهب للانتخابات، ثقف من حولك لكي يشاركوا، استغل حقك القانوني في تقرير مستقبلك ومستقبل السويد. قد يكون صوتك أنت بالذات من يحسم النتيجة.
المترجم محسن عواد