المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الاشتباه في تورّط طفل في الثانية عشرة من عمره بجريمة قتل في مدينة مالمو. خبرٌ صادم، لا لأنه استثنائي فحسب، بل لأنه بات يشكل خطرا بأن يصبح جزءا من مشهد آخذ في التكرار: أطفال ومراهقون يتحولون إلى “منفذين” لجرائم خطيرة، في دوامة من إطلاق النار والتفجيرات، في بلد طالما قدّم نفسه نموذجاً للعدالة الاجتماعية والأمان.

الصحفي والكاتب الاقتصادي أندرياس سيرفينكا يضع إصبعه على الجرح في مقال له بصحيفة أفتونبلادت، متسائلاً عمّا إذا كانت هناك علاقة بين اتساع الفجوات الطبقية، التي باتت في الواقع فجوات عِرقية أيضاً، وبين هذا الانزلاق المتسارع للأطفال نحو العنف. سؤالٌ مشروع، بل وملحّ، في ظل هيمنة قيم مادية مفرطة باتت تخترق وعي الصغار قبل الكبار.

لفهم هذا “الظلام القاعي”، كما يسميه البعض، يستحضر المقال شهادة محقق سابق في قضايا الجريمة، يروي لقاءه بمراهق ذكي وفصيح جاء من أسرة مستقرة، قبل أن ينكشف تورطه لاحقاً في جريمة مزدوجة مروعة. سؤاله اليائس: “ماذا يحدث لجيلكم؟” جاءه جوابه صادماً في صدقه: “نحن مغسولو الأدمغة بالمال. من أجل الملابس ذات الماركات والمكانة الاجتماعية، نفعل أي شيء.”

من يقف وراء هذا “الغسل”؟ في المقدمة منصات التواصل الاجتماعي العملاقة—فيسبوك، إنستغرام، يوتيوب، تيك توك—التي يملكها مليارديرات عالميون، وتضخ عبر خوارزميات شديدة الذكاء رسائل غير مفلترة تتمحور حول الثراء السريع، الرفاه الفجّ، وثقافة العصابات. خوارزميات قادرة على التغلب على عقل طفل مئة مرة من أصل مئة.

غير أن هوس المال لا يولد من فراغ. السويد اليوم من أكثر دول العالم تفاوتاً في توزيع الثروة. تقرير حديث لمعهد أبحاث الاقتصاد الصناعي (IFN) يكشف أن عدد المليارديرات ارتفع من 52 عام 2000 إلى أكثر من 500 عام 2020، دون احتساب من نقلوا ثرواتهم إلى الخارج. ورغم أن بعض المؤشرات التقنية توحي بتراجع طفيف في اللامساواة، إلا أن تقارير دولية تضع السويد ضمن أكثر الدول تفاوتاً في الثروة عالمياً.

الأرقام صارخة: أغنى 0.1% راكموا ثروات هائلة، بينما غاصت أدنى 20% في مستنقع الديون. الطبقة الوسطى ازدادت ثراءً “على الورق”، لكن ثروتها محصورة في مساكن مثقلة بالقروض، جعلتها تشعر—في ظل التضخم وارتفاع الفوائد—بفقر فعلي لا بثروة حقيقية. أما الشباب، فارتفاع أسعار العقارات بات سياجاً شائكاً يحاصر حلم الاستقلال.

في المقابل، تشير منظمات الإغاثة إلى أرقام غير مسبوقة من الأسر المحتاجة، وتؤكد الإحصاءات الرسمية أن مئات الآلاف يعيشون في فقر اجتماعي ومادي، بينهم مئات الآلاف من الأطفال. تقارير رسمية، من مجلس السياسة المالية إلى الشرطة والخدمات الاجتماعية، تحذّر صراحة من أن البحث عن المال والمكانة في غياب مسارات نجاح بديلة يدفع الأطفال طوعاً إلى أحضان الجريمة.

هل هناك علاقة مباشرة بين “سويد الفجوات” و”سويد العنف الخام”؟ لا يمكن الجزم علمياً بعلاقة سببية بسيطة. لكن تجاهل السؤال ذاته لم يعد ترفاً فكرياً، بل نوعاً من العمى الأخلاقي. حين يُختزل النجاح في المال، وتُسدّ آفاق الأمل، ويُترك الأطفال فريسة لخوارزميات لا تعرف القيم، يصبح العنف—للأسف—لغة بديلة عن المعنى.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل هناك علاقة؟
بل: كم من الوقت سنحتاج قبل أن نعترف بها، ونعيد بناء المجتمع على أسس تُعيد للطفولة قيمتها، وللعدالة معناها؟

مقال رأي للكاتب د. العيد بلعكاز