المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: أثارت الجريمة التي شهدتها مدينة أوربرو قلقاً واسعاً في المجتمع السويدي، إذ أعادت إلى الواجهة نقاشات مجتمعية حادة حول تصنيف الجرائم ودوافعها، لا سيما فيما يتعلق بأصول الجناة والضحايا. ورغم استمرار التحقيقات وطلب الشرطة عدم نشر أي معلومات أو تعليقات، فإن التفاعل المجتمعي مع الحادثة يعكس إشكاليات أعمق حول كيفية فهم الجرائم وتصنيفها.

يلاحظ أن هناك تصوراً شائعاً بين أبناء الجاليات المهاجرة بأن الجرائم التي يرتكبها أشخاص من أصول شرق أوسطية تُصنَّف غالباً كأعمال إرهابية، بينما تُعزى الجرائم المماثلة التي يرتكبها ذوو أصول أوروبيون إلى مشاكل نفسية أو دوافع شخصية. هذا التصور، بغض النظر عن مدى دقته، يثير تساؤلات جوهرية حول معايير تصنيف الجرائم كإرهابية وتأثير ذلك على المجتمع.

وفقًا للمادة 2 من القانون السويدي رقم 148 لعام 2003، تُعرَّف الجريمة الإرهابية بأنها فعل يمكن أن يُلحق ضرراً بالغاً بدولة أو منظمة دولية، ويهدف إلى: إثارة حالة من الرعب لدى السكان أو مجموعة معينة، أو إجبار الجهات الرسمية أو المنظمات الدولية على اتخاذ أو الامتناع عن إجراء معين، أو زعزعة استقرار أو تدمير الهياكل الأساسية السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. يشمل هذا التعريف جرائم مثل القتل، الإيذاء، الاختطاف، التخريب، أو التدمير العام. وبالتالي، عندما تتسبب جريمة ما في إثارة الخوف بين فئة محددة من السكان، فإنها قد تستوفي بعض معايير العمل الإرهابي، بغض النظر عن هوية الجاني أو خلفيته.

نتيجة للحادثة الأخيرة، وجد العديد من الأفراد من أصول مهاجرة في السويد أنفسهم يخشون الذهاب إلى المدرسة أو يتلقون اتصالات من أقاربهم في الخارج للاطمئنان عليهم. هذا الشعور الجماعي بالخوف يُشير إلى التأثير العميق لهذه الجرائم على المجتمع، ويعكس كيف يمكن لبعض الأحداث أن تترك أثراً نفسياً واجتماعياً يتجاوز الضحايا المباشرين.

تصنيف الجرائم بناءً على أصل الجاني أو الضحية قد يؤدي إلى تعزيز الصور النمطية السلبية وزيادة التمييز ضد مجموعات معينة. وهو ما يُعمّق تحيزات مجتمعية متجذرة، حيث يُنظر إلى “الآخر” بعين الشك والريبة، بينما يُمنح “الأقرب” فُسحة للتبرير والتفهم. هذا النهج لا يسهم فقط في تقسيم المجتمع، بل يعزز أيضاً مشاعر الاغتراب والكراهية.

أي جريمة من هذا النوع لا تحدث في فراغ، بل هي نتاج منظومة من العوامل الاجتماعية والسياسية والإعلامية التي تتفاعل معاً لتنتج بيئة تتكرر فيها مثل هذه الجرائم. فالجريمة ليست مجرد فعل فردي، بل هي حدث متشابك مع سياقات أوسع تعكس اختلالات في المجتمع، وتُظهر كيف تشكّلت المخاوف والأفكار المتطرفة عبر الزمن.

الإعلام لا ينقل الأحداث فحسب، بل يسهم في تشكيل الرأي العام وصياغة الطريقة التي يفهم بها المجتمع ما يجري من حوله. عندما يُسلَّط الضوء على “المهاجر” أو “اللاجئ” بوصفه السبب الرئيسي للمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تتحول فئة معينة من السكان إلى هدف سهل للاتهام. هذه الرواية المختزلة تؤدي إلى بناء تصور غير متوازن، حيث تُصبح بعض الفئات “مذنبة” تلقائياً في الذهن العام، ثم تترسخ هذه القناعة في وعي الأفراد الذين يتبنونها، حتى دون أدلة منطقية تدعم هذا الربط. وعندما يُمنح هذا التصور صبغة شرعية في الخطاب المجتمعي، فإنه قد يوفر لمن يملك استعداداً للعنف مبرراً ذاتياً لارتكاب جرائم ضد من يعتبرهم مسؤولين عن معاناته الشخصية. وهكذا، يتحول الوهم إلى دافع، ويصبح الخطاب المختزل أداة لإنتاج واقع مأسوي قائم على الإقصاء والعنف، بدلاً من الفهم العميق للأسباب الحقيقية للمشكلات.

في العقود الأخيرة، استُخدمت قضايا الهجرة والجريمة كأدوات سياسية لتعزيز أجندات معينة. يتم تصوير المهاجرين على أنهم تهديد للهوية الوطنية أو عبء اقتصادي أو سبب في ارتفاع معدلات الجريمة، حتى لو لم تكن هناك دلائل قوية تدعم هذه الادعاءات. هذا الخطاب يؤجج الكراهية، ويزيد الفجوة بين الفئات المختلفة داخل المجتمع، ما يخلق بيئة تُغذّي نفسها بنفسها.

التحيزات ليست دائماً صريحة، بل يمكن أن تكون مغروسة في العقل اللا واعي للأفراد والمؤسسات. عندما يُنظر إلى جريمة ارتكبها شخص أوروبي باعتبارها “ناتجة عن مشاكل نفسية”، بينما تُعتبر الجريمة نفسها إذا ارتكبها شخص من أصول مهاجرة “دليلًا على تهديد ثقافي أو ديني”، فإننا أمام نموذج واضح من التمييز الإدراكي. هذه التحيزات تمتد إلى آليات إنفاذ القانون والقضاء والتغطية الإعلامية، ما يسهم في إعادة إنتاج نفس الديناميكيات التي تُكرّس هذه الصورة النمطية.

إذا أردنا معالجة هذه الإشكاليات العميقة، فلا بد من تبني نهج شامل يتضمن تشجيع وسائل الإعلام على تقديم تغطية متوازنة وغير متحيزة، بحيث يتم التركيز على الجريمة كحدث قانوني وإنساني وليس كأداة لتعزيز الصور النمطية. الصحافة الجيدة ليست تلك التي تثير الخوف، بل تلك التي تقدم فهماً أعمق للقضايا الاجتماعية.

لا بد من نشر الوعي بأن الجريمة ليست حكراً على مجموعة معينة، وأن التعميمات التي تربط الخلفية الثقافية بالسلوك الإجرامي ليست سوى تحيزات يجب تفكيكها. هذا يتطلب جهوداً في المدارس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات العامة، لتعزيز التفكير النقدي ومقاومة الأحكام المسبقة. من الضروري أن تتوقف القوى السياسية عن استغلال قضايا الجريمة والهجرة لتحقيق مكاسب انتخابية. بدلاً من ذلك، يجب التركيز على معالجة الأسباب الحقيقية للجريمة، مثل الفقر، ونقص الفرص، والتمييز، بدلاً من إلقاء اللوم على فئات بعينها. كما يجب أن تكون مؤسسات إنفاذ القانون والقضاء أكثر وعياً بالتحيزات اللا واعية، والعمل على تطبيق القوانين بشكل عادل، بغض النظر عن خلفية الجاني أو الضحية.

إن بناء مجتمع عادل وآمن لا يتحقق من خلال شيطنة فئة معينة أو تبرير تصرفات أخرى، بل من خلال الاعتراف بأن الجريمة ظاهرة اجتماعية معقدة تتطلب حلولاً شاملة وعادلة. عندما يشعر جميع أفراد المجتمع بأنهم متساوون أمام القانون والإعلام والسياسة، حينها فقط يمكننا الحديث عن مجتمع قادر على تجاوز الانقسامات والصراعات الداخلية، والتوجه نحو مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً للجميع.

كاوا العيسى

محلل وكاتب سياسي وناشط في حقوق الإنسان