المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: لم يعد النقاش في السويد يدور حول الاندماج أو الهجرة أو حتى الإسلام كدين، بل دخل مرحلة أكثر حساسية وخطورة، وهي مرحلة التشكيك في مواطنة الإنسان نفسه إذا كان مسلمًا.

فالتصريح الذي أدلى به جيمي أوكيسون، زعيم ديمقراطيوالسويد، لم يكن نقاشًا نظريًا، بل موقفًا صريحًا مفاده أن الإنسان لا يمكن أن يكون مسلمًا مطبقًا لتعاليم الإسلام وفي الوقت نفسه جزءًا كاملًا من المجتمع السويدي. هذا التصريح ينقل النقاش من الجدل الديني إلى مسألة أعمق تمس حدود الانتماء الوطني، لأن القول بعدم إمكانية الجمع بين الإسلام المطبق والمواطنة الكاملة يعني ضمنيًا التشكيك في سويدية من يعتنق الإسلام حتى لو كان سويديًا أصيلًا.

المشكلة هنا ليست في الإسلام، بل في التحول التدريجي في الخطاب العام، حيث انتقل النقاش من الحديث عن المهاجرين المسلمين إلى الحديث عن المسلمين عمومًا، ثم إلى التشكيك في إمكانية أن يكون المسلم مواطنًا كاملًا في حياته اليومية. هذا المسار يعكس محاولة لإعادة تعريف المواطنة من مفهوم قانوني شامل إلى مفهوم ثقافي ضيق يربط الانتماء الوطني بنمط ديني أو حضاري محدد.

ولتوضيح خطورة هذا الاتجاه، يمكن تصور شخص وُلد في مدينة سويدية صغيرة ونشأ في أسرة تمتد جذورها في السويد إلى مئات السنين، وتعلم في مدارسها وعاش ثقافتها وتاريخها، ثم قرر في مرحلة من حياته اعتناق الإسلام عن قناعة. هل يفقد هذا الإنسان سويديته بسبب دينه؟ هل يتوقف تاريخ عائلته عند لحظة تغيير العقيدة؟ وهل يمكن أن تتحول المواطنة من علاقة قانونية وتاريخية إلى هوية دينية؟ هذا التصور يكشف التناقض في ربط السويدية بدين معين، لأن الدولة الحديثة تقوم على القانون والمواطنة لا على العقيدة.

الخطير في هذا الخطاب أنه ينقل السويد من دولة قانون إلى دولة هوية، حيث يصبح الدين معيارًا ضمنيًا للانتماء الوطني. وإذا أصبح من المقبول التشكيك في مواطنة الإنسان بسبب دينه، فإن هذا المبدأ يمكن أن يمتد إلى مجالات أخرى، مما يهدد فكرة المواطنة المتساوية التي قامت عليها الديمقراطية الأوروبية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالإسلام وحده، بل بمستقبل مفهوم المواطنة في السويد نفسها.

فالدولة التي تبدأ في ربط الانتماء الوطني بالعقيدة تفتح بابًا خطيرًا لإعادة تعريف من يحق له أن يكون سويديًا ومن لا يحق له ذلك. وإذا أصبح اعتناق الإسلام سببًا للتشكيك في السويدية اليوم، فمن الذي يضمن ألا يصبح الاختلاف الديني أو الفكري أو الثقافي غدًا سببًا للتشكيك في مواطنة فئات أخرى؟ هنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الدولة الديمقراطية لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا عندما يتحول الدين إلى معيار للانتماء.

وعندها لا يكون السؤال هل يفقد السويدي سويديته عندما يعتنق الإسلام، بل يصبح السؤال الأخطر: هل تبقى السويد دولة قانون ومواطنة، أم تتحول إلى دولة تحدد من هو السويدي على أساس ما يؤمن به؟ هذه هي اللحظة التي يجب التوقف عندها، لأن المواطنة إذا أصبحت مشروطة بالعقيدة، فإن فكرة السويد الحديثة نفسها تصبح على المحك.

د. العيد بوعكاز