المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في الوقت الذي تعاني فيه السويد من أزمات متفاقمة في سوق العمل، وتزايد في أعمال العنف المرتبط بالجريمة المنظمة، وأزمة واضحة في نظام الرعاية الصحية، إضافة إلى صعوبات اقتصادية تواجهها آلاف العائلات، اختارت بعض الأصوات السياسية – مجدداً – أن تسلط الضوء على قضية لا تمس إلا عدداً محدوداً من النساء: النقاب.

فقد خرجت كل من إيبا بوش، رئيسة حزب الديمقراطيين المسيحيين، وسيمونا موهامسون، وزيرة الاندماج ورئيسة حزب الليبراليين، بتصريحات تدعو إلى فرض حظر على ارتداء النقاب والبرقع في الأماكن العامة. المبرر المُعلن هو “الدفاع عن حقوق المرأة”، وهو هدف لا يختلف عليه أحد في مجتمع ديمقراطي يحترم الحريات ويؤمن بالمساواة. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل هذه فعلاً أولوية السويد اليوم؟ أم أنها مجرد محاولة جديدة لتسجيل نقاط سياسية عبر استهداف مجموعة صغيرة لا تملك صوتاً مؤثراً في الساحة؟

تضخيم ظاهرة غير موجودة

لقد عشت في السويد لأكثر من عشر سنوات، تنقلت خلالها بين مدن مثل كالمار ومالمو، ولم أصادف سوى مرة واحدة سيدة ترتدي النقاب، كانت في حديقة عامة تلعب مع أطفالها ولم تُثر أي ضجة أو خرق لأي قانون. نحن لا نتحدث عن ظاهرة واسعة، بل عن عدد لا يتجاوز العشرات أو المئات في أفضل التقديرات، في بلد يسكنه أكثر من عشرة ملايين نسمة.

فهل من المنطقي أن تُبنى سياسات وطنية وقوانين جديدة ضد هذه الفئة القليلة، بينما تتجاهل الحكومة ملفات مصيرية تؤثر على حياة مئات الآلاف من الناس يومياً؟

أرقام لا تكذب

وفقاً لإحصائيات هيئة الإحصاء السويدية (SCB) لشهر يونيو 2025، وصلت نسبة البطالة إلى 9.4 بالمئة، أي ما يعادل أكثر من 559 ألف شخص عاطل عن العمل. وفي المقابل، لا تزال جرائم العصابات تتصاعد، حيث تم تسجيل أكثر من 132 حادثة إطلاق نار منذ بداية العام، أسفرت عن مقتل 39 شخصاً.

أما عن الأطفال والعائلات، فقد أشارت منظمة “أنقذوا الأطفال” إلى أن ثلث العائلات ذات الدخل المنخفض تجد صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية. ناهيك عن الأزمات التي تعاني منها دور رعاية المسنين والقطاع الصحي عموماً، من نقص في الكوادر إلى طوابير الانتظار الطويلة في أقسام الطوارئ والطب النفسي.

وإذا عدنا بالذاكرة إلى فبراير الماضي، نتذكر جميعاً فاجعة إطلاق النار داخل مدرسة في أوربرو، والتي راح ضحيتها 11 شخصاً في واحدة من أسوأ حوادث إطلاق النار المدرسية في تاريخ البلاد. هذه الكارثة لم تُقابل بخطط إصلاح حقيقية، ولا بخطابات سياسية نارية.

استخدام المسلمين كورقة انتخابية

ما يحصل اليوم هو امتداد لنمط سياسي بات مألوفاً: عندما تشتد الأزمات وتفقد الأحزاب الشعبية بعضاً من بريقها في استطلاعات الرأي، يُعاد فتح ملف “الاندماج” و”الملبس الإسلامي”، ويُستخدم المسلمون كرمز للفشل أو التهديد المفترض.

لا أحد ينكر أن هناك تحديات حقيقية داخل بعض المجتمعات المهاجرة، لكن مواجهة هذه التحديات لا تكون عبر التعميم أو الخطابات العقابية. الحل يبدأ من تمكين النساء في سوق العمل، وتوفير فرص التعليم، ومحاربة العنف الأسري عبر القانون وليس عبر القوانين الرمزية. ومن يريد فعلاً محاربة “الظواهر القمعية” باسم الدين، فليقدم حلولاً جذرية لا شعارات.

مشاكل السويد أكبر وأخطر

الدفاع عن المرأة لا يكون بفرض مزيد من الوصاية عليها، بل بإعطائها الحق في الاختيار، سواء قررت أن ترتدي النقاب أو أن تخلعه. والحرية الدينية لا تعني التساهل مع الظلم، لكنها أيضاً لا تعني استغلال الرموز الدينية لتحقيق مكاسب سياسية.

مشاكل السويد اليوم أكبر وأخطر من أن تُختزل في قطعة قماش. ومن واجب السياسيين – إن كانوا جادين – أن يلتفتوا إلى البطالة، التعليم، الجريمة، والعدالة الاجتماعية، بدل صرف الأنظار نحو قضايا جانبية لا تعني الغالبية الساحقة من الناس.

حازم داكل

صحافي سوري/ سويدي