المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في السياسة الدولية، لا تُطرح الأسئلة بصيغة أخلاقية خالصة، بل بصيغة المصالح والتوازنات. والسؤال حول ما إن كان من مصلحة أوروبا أن تخسر الولايات المتحدة في صراع محتمل مع إيران، ليس سؤالاً عن “من يستحق الانتصار”، بل عن “أي عالم تريد أوروبا أن تعيش فيه”.
من منظور واقعي بحت، أوروبا ليست قوة مكتفية ذاتياً عسكرياً، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بُني الأمن الأوروبي على ركيزتين: التكامل الداخلي الذي تمثله بنية الاتحاد الأوروبي، والمظلة الأمنية الخارجية التي يجسدها حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة. أي خلل كبير في هذه المعادلة لا يعني فقط تغييراً في ميزان القوى، بل قد يعني اهتزازاً في البنية السياسية الأوروبية نفسها.
خسارة الولايات المتحدة في صراع مع إيران لا تعني بالضرورة هزيمة عسكرية مباشرة، بل قد تعني استنزافاً طويل الأمد وتراجعاً في الهيبة وانكفاءً داخلياً. التاريخ يعلمنا أن القوى العظمى لا تسقط بضربة واحدة، بل تتآكل تدريجياً عندما تصبح كلفة القوة أعلى من عائدها. في هذا السيناريو، أوروبا لن تكون رابحاً تلقائياً، بل ستجد نفسها أمام عالم أقل استقراراً، حيث تتراجع القوة الضابطة للنظام الدولي دون أن تكون هناك قوة بديلة متفق عليها، وهذا هو أخطر أنواع الفراغ: فراغ القوة لا فراغ القيم فقط.
هنا تظهر المفارقة الأوروبية؛ فأوروبا من جهة لا تثق بالكامل بالسياسات الأمريكية المتقلبة، خصوصاً في عهد ترامب الذي لم يُخفِ يوماً انتقاداته للاتحاد الأوروبي، ووصفه أحياناً بأنه “خصم اقتصادي”، وهدد بشكل مباشر بنية حلف الناتو، بل وطرح أفكاراً توسعية مثيرة للجدل مثل الاهتمام بالسيطرة على جرينلاند. ومن جهة أخرى، تدرك أوروبا أن غياب الولايات المتحدة أو ضعفها الشديد قد يفتح الباب أمام قوى أخرى مثل روسيا أو الصين أو حتى قوى إقليمية لإعادة تشكيل النظام الدولي بطريقة لا تخدم المصالح الأوروبية، وبذلك تجد نفسها عالقة بين عدم الرغبة في الهيمنة الأمريكية الكاملة والخوف من غيابها.
الفلسفة السياسية الواقعية، تفترض أن الدول تبحث عن البقاء قبل أي شيء، وفي هذا الإطار فإن أوروبا ليست معنية بانتصار أمريكا بقدر ما هي معنية بعدم انهيارها، لأن تراجع القوة الأمريكية الحاد سيؤدي إلى اهتزاز الردع داخل الناتو، وتصاعد التنافس داخل أوروبا نفسها بين القوى الكبرى، وعودة منطق الدول القومية المسلحة بدلاً من الاتحاد السياسي، إضافة إلى زيادة النفوذ الروسي في شرق أوروبا وتوسع الدور الصيني اقتصادياً واستراتيجياً. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل أوروبا جاهزة لتحمل هذا الفراغ؟ والإجابة الواقعية أنها ليست كذلك بعد.
إذا عدنا إلى شخصية ترامب، نجد أن القلق الأوروبي لا يتعلق فقط بإيران، بل بأجندة أوسع؛ إذ لم يتعامل مع أوروبا كحليف تقليدي، بل ككيان ينبغي إعادة التفاوض معه، أو حتى إضعافه اقتصادياً وسياسياً. وفي هذا السياق، يمكن تصور سيناريو أكثر تعقيداً يتمثل في أن تستخدم الولايات المتحدة نتائج حربها مع إيران، سواء كانت انتصاراً أو استنزافاً، لإعادة تشكيل علاقاتها مع أوروبا، وربما للضغط نحو تقليص دور الاتحاد الأوروبي، وفرض تبعية أمنية أكبر، وإعادة توزيع الأعباء داخل الناتو بشروط أمريكية أكثر قسوة على الأوروبيين. وهنا تصبح فكرة إضعاف الاتحاد الأوروبي جزءاً من نقاش سياسي مشروع حول مستقبل التحالفات.
ما الخيارات الأوروبية؟
أوروبا اليوم أمام خيارين كلاهما معقد، فهي إما أن تستمر في الاعتماد على الولايات المتحدة بكل ما يحمله ذلك من تقلبات وتبعية استراتيجية، أو أن تسعى لبناء استقلال استراتيجي حقيقي، وهو مشروع مكلف وطويل ومليء بالخلافات الداخلية. وفي الحالتين، فإن خسارة الولايات المتحدة في حرب كبيرة لن تمنح أوروبا الوقت أو الاستقرار اللازم لتحقيق هذا الاستقلال، بل قد تدفعها إلى مواجهة التحديات قبل أن تكون مستعدة لها.
في النهاية، لا تبحث أوروبا عن انتصار أمريكي مطلق ولا عن هزيمة أمريكية، بل عن توازن دقيق يضمن بقاء النظام الدولي مستقراً دون أن يتحول إلى هيمنة أحادية. فالمصلحة الأوروبية الحقيقية تكمن في وجود الولايات المتحدة قوية بما يكفي لضمان الاستقرار، لكنها ليست مطلقة القوة بحيث تفرض إرادتها دون شراكة. أما الرهان الأكبر، فهو أن تدرك أوروبا أن مستقبلها لا يمكن أن يبقى معلقاً بين قوة تعتمد عليها وأخرى تخشاها، بل يجب أن تتحول تدريجياً إلى قوة قادرة على تعريف مصالحها بنفسها، وعندها فقط سيتغير السؤال من “هل من مصلحتنا أن تخسر أمريكا؟” إلى “هل نستطيع نحن أن نربح، بغض النظر عمّن يخسر؟”.
كاوا العيسى