“على خطباء المساجد الحذر في السويد، فبين المصلين يوجد الآن مخبرون للصحافة السويدية يراقبون الأئمة ويسجلون لهم بالصوت والصورة ما يقولونه”. هذا فحوى ما يحذّر منه البعض هذه الأيام بعد تسريب خطب للإعلام، وبعد محاولات عدة من قبل صحفيين للحصول على مثل هذه التسريبات. ولكن هل فعلاً وصلنا إلى هذا المستوى لكي يضبط رجال الدين خطاباتهم ومواعظهم الدينية على إيقاع الحياة والبيئة السويدية؟ هل تحتاج المساجد والمنابر الدينية إلى الخضوع لمراقبة مخبرين وباحثين عن الحدث الإعلامي؟ أم أن المراقبة يجب أن تكون ذاتية، نابعة كتحصيل حاصل، من توجه عام لا يتخلى عن جوهر الدين، وفي الوقت نفسه يبتعد عن خطاب التطرف والمغالاة والانعزالية؟
يجب أولاً أن نوضح أن العديد من الصحف ووسائل الإعلام في السويد وفي معظم الدول الديمقراطية تسعى إلى استخدام عدة طرق، ضمن ما يسمح به القانون والأخلاق الصحفية، للحصول على خبر يهم الجمهور. إرسال صحفيين متخفين إلى أي مكان عمل ضروري ومشروع في مهنة الصحافة، ما دام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة.
والحقيقة التي سعت إليها الصحافة مؤخراً من وراء مراقبة خطابات بعض الأئمة هي الكشف عن حالات التناقض الذي يمارسه بعض رجال الدين والخطاب المزدوج، والذي قد يُعتبر تحريضاً على قيم المجتمع السويدي، ويمكن أن يؤسس لمجتمعات موازية داخل المجتمع الواحد.
لكن هذا العمل المهم والأساسي في مهنة الصحافة يتعرض لاستغلال واضح من قبل عدد من السياسيين ممن لهم أجندات معادية للاجئين والأجانب بشكل عام وللمسلمين بشكل خاص. وهذا أيضاً، وضمن قوانين الديمقراطية، ليس ممنوعاً، فمعظم السياسيين، خصوصاً هذه الأيام، يعتمدون على الخطاب الشعبوي في التوجه نحو مشاعر الناس بطرق سطحية بعيدة عن تناول الواقع بكل معطياته.
هذا ما حدث تماماً بعد الضجة الكبيرة التي أحدثتها ما باتت تُعرف بخطبة “ضرب الزوجة” الأسبوع الماضي، حيث تنافس كل السياسيين في كيفية إظهار مواقفهم الحازمة من تأثير مثل هذه الخطابات الدينية. ومنهم من ذهب إلى التعميم وفرض صور نمطية جاهزة عن الإسلام والمسلمين، ومنهم من طالب بالعقاب على الطريقة المعهودة: الطرد وسحب الجنسية.
غير أن ما فات السياسيين، خصوصاً في اليمين المتطرف، هو أن المرأة المسلمة هنا مثلها مثل كل النساء في السويد تعرف حقوقها تماماً، ولا تسمح لأحد بضربها أو التمادي عليها. وفي حال كانت هناك استثناءات فاللوم يقع على المجتمع السويدي في حماية هؤلاء النساء المعنَّفات، مسلمات كن أو غير مسلمات، حيث يصبح الموضوع ضمن دائرة القضاء ومعالجات الشؤون الاجتماعية.
تعنيف المرأة مسألة اجتماعية تعاني منها عدة دول ومجتمعات إلى حد الآن، ولا تقتصر على المجتمعات الدينية. صحيح أن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يحاول رجل دين وضع قالب شرعي لهذا الاضطهاد، عندها تصبح المشكلة في رجل الدين نفسه وليست مشكلة الدين وكل أتباعه. ولا يجب أن يشكل هذا التصرف ذريعة سياسية لخلق أعداء لصالح أحزاب تبحث عن شعبية رخيصة.
نعم، هناك تخوف دائم من أن تتحول بعض المساجد وحتى بعض الكنائس ودور العبادة إلى أماكن لنشر التطرف والكراهية، والرقابة هنا مطلوبة. لكن، كما قلنا، يجب أن تكون رقابة ذاتية من قبل القائمين على إدارة أماكن العبادة، ويجب استبعاد أي رجل دين لا يعرف قيم المجتمع الذي يعيش فيه، ولا يؤمن بأن هناك مشتركات كثيرة بين قيم الدين والقيم المدنية الحديثة. فالأديان هي أصلاً من ساهمت في تعزيز ما وصلنا إليه الآن من رقي وحضارة إنسانية. الفرق أن بعض المجتمعات فصلت بين الدين والدولة، بينما لا يزال البعض الآخر يستخدم الدين للسيطرة على الدولة.
عدم الانصياع لشروط السياسيين
ما فات السياسيين في السويد أيضاً هو أن الإسلام لا يحتاج إلى أن يغيّر لونه لا إلى الأزرق ولا إلى الأصفر ولا إلى أي لون آخر. من يعرف التاريخ يرى أن الإسلام حالياً، حتى في الدول العربية والإسلامية، يشهد اجتهادات عدة لإرجاعه إلى المفاهيم الأساسية التي جاء بها كرسالة سماوية، وأهمها مفهوم “العالمية”، باعتباره ديناً يصلح لكل زمان ومكان، إضافة إلى مبادئ المساواة والتسامح وقبول الآخر.
هذه الاجتهادات تحاول أيضاً رفض ما هو موروث من ممارسات دخلت، حسب عدة باحثين إسلاميين، إلى الدين لأسباب تتعلق بتمكين السلطات الفردية والديكتاتورية للحكام، خصوصاً منذ أواخر العصر الأموي وطيلة العصر العباسي.
ما يحتاجه المسلمون هنا في السويد هو المشاركة الفعالة في هذه الاجتهادات، لتكون القناعة بالتغيير مبنية على الحفاظ على جوهر الدين أولاً، وعدم الانصياع إلى شروط السياسيين، خصوصاً تلك التي تفوح منها رائحة العنصرية، ثانياً.
ما يحتاجه المسلمون هو هذه القناعة لتقوية الرقابة الذاتية والحد من رقابة المخبرين والصحفيين في المساجد، ولتفويت الفرصة على السياسيين المغرضين.
محمود آغا