المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: لم تعد السويد اليوم هي تلك الدولة المنفتحة بلا حدود التي عرفناها قبل عقدين. المزاج العام تغيّر، والخطاب السياسي تصاعد، وأصبحت الحملات الانتخابية مسرحًا مفتوحًا لاتهام المسلمين والمهاجرين، حتى وإن أصرّ السياسيون على الادعاء بأنهم “لا يقصدون الناس العاديين”.
واللافت أن بعض ذوي الأصول المهاجرة داخل الأحزاب اليمينية صاروا يصفقون لهذا الخطاب ظنًّا منهم أنهم بذلك سيحصلون على القبول، بينما يتحولون، من حيث لا يشعرون، إلى أداة تمنح شرعية لخطابات تزداد عداءً لجذورهم. لكن المشكلة لا تقتصر على ما يُقال عنا، بل في ردّ فعلنا نحن.
الحجة الأولى: السلبية السياسية تكلّفنا الكثير
نقف اليوم أمام اختبار حقيقي، المحكّ فيه ليس ما يريده اليمين أو اليسار، بل ما نفعله نحن: كيف نتصرف؟ كيف نشارك؟ وكيف نردّ العداء السياسي بذكاء لا بتهور؟
ومع كل انتخابات يتكرر المشهد ذاته: كثيرون يتذمرون، يحللون المشهد من فوق الأريكة، ثم يقررون الانسحاب من اللعبة السياسية. منهم من يقول: لن أصوّت، أو كل المرشحين مثل بعضهم، أو سأضع ورقة بيضاء… إلخ.
لكن حين تُعلن النتائج، يعود الندم: صعود اليمين المتشدد، تشديد القوانين، قرارات الترحيل، وتراجع مكانة المهاجرين في الخطاب العام. هكذا ندور في حلقة مفرغة من السلبية، ثم الندم، ثم العجز.
الحجة الثانية: اليمين المتشدد يزداد جرأة
الائتلاف اليميني اليوم لا يخفي خطابه: لا نريد مسلمين هنا، لا مساجد جديدة، سنفرض قيودًا على الرموز الدينية، ونشدد الهجرة، ونصعّب الحصول على الجنسية.
وإذا عاد هذا الائتلاف إلى السلطة بدورة جديدة، فسيسعى إلى تنفيذ أجندته بلا تردد، مستندًا إلى شعبيّة بُنيت على خطاب الخوف من “المسلم والمهاجر”. فهل نبقى متفرجين؟
الحجة الثالثة: قبل أن نلوم السويد… فلننظر إلى أنفسنا
نحن بحاجة إلى وقفة صادقة أمام الذات. هناك من يُغذّي الصورة السلبية عن مجتمعنا، إما بتجاوزات قانونية، أو عزلة اجتماعية، أو انفعال غير محسوب. وهناك من يُعيد إنتاج نفس الطائفية التي هرب منها. وآخرون يرفضون الاندماج بحجة الخوف من الذوبان، بينما الاندماج الحقيقي هو مشاركة ووعي قانوني، لا فقدان للهوية.
الحجة الرابعة: نحن قوة عاملة لا غنى عنها… لكننا لا نوظف ذلك
الحقيقة التي يعرفها السياسيون جيدًا هي أننا جزء أساسي من منظومة العمل السويدية: في الرعاية الصحية، ورعاية المسنين، والخدمات، والمطاعم، والنقل، والبلديات.
لو توقف أبناء المهاجرين يومًا واحدًا عن العمل، لتعرضت قطاعات كاملة للشلل. نحن لسنا عبئًا؛ نحن ركن من أركان السويد. لكننا لا نستخدم هذه القوة سياسيًا.
دحض الاعتراضات: لسنا بحاجة للتخلي عن الهوية
لا يحتاج العربي أو المسلم لأن يتخلى عن هويته لكي ينجح أو يندمج أو يكون مؤثرًا. الاندماج ليس تبعية، بل مشاركة.
والاحترام لا يُنتزع بالصراخ، بل بالسلوك، وبالقانون، وبالثبات. علينا أن نُذكّر الجميع بأن الدستور يضمن حرية الممارسة الدينية.
مقترحات وحلول: القوة الناعمة التي نملكها
الطريق واضح إذا أردنا تأثيرًا حقيقيًا: تعليم الأبناء حب السويد واحترام قوانينها دون التخلي عن الدين.
الرد على العنصرية بالقانون لا بالفوضى. تقديم صورة مشرقة للمسلمين عبر الأخلاق، واللباقة، والالتزام. دعم الشباب المعرّضين للجريمة أو التهميش. المشاركة القوية في الانتخابات، والنقابات، والجمعيات، والعمل المدني. اعتماد خطاب عقلاني وهادئ يفرض الاحترام.
هكذا تُبنى المجتمعات، وهكذا نُثبت وجودنا.
السويد ليست ضدنا، لكن السياسة قد تكون. والسياسة لا يغيّرها إلا الحضور، لا الانسحاب. والمستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. إن لم نتغير نحن، فلن يتغير شيء لصالحنا، وإن لم نتحرك اليوم، سنجد أنفسنا غدًا أمام قوانين أشدّ وواقع أصعب.
هذه ليست دعوة للخوف… بل دعوة للوعي. دعوة للحضور… دعوة لصناعة الأفضل بدل انتظار الأسوأ.
الشيخ سعيد عزام