المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في شرفتي البعيدة في السويد، وصلني صدى الألم القادم من دمشق.

لم يكن تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق ليُصِب جدران الصلاة وحدها، بل كان زلزالاً حقيقيّاً هزّ ما تبقّى من يقين في قلبي.

ولأن الكلمات هي ما أملك، كتبت..

ما الوطن؟

هل هو الأرض؟ الاسم؟ الدين؟ الراية؟ أم أنه، كما قال محمود درويش: “ليس سؤالاً تجيب عنه وتمضي… إنّه حياتك وسؤالك معاً”.

نشأتُ على فكرة أن الوطن لا يُعرّف إلا بسوريا. هكذا علّمني والدي. لم يكن تعريفي بنفسي يبدأ بـ”سريانية” أو “مسيحية”، بل بسوريةٍ تجري في دمي قبل أن أفتح فمي. قال لي: “سوريا فوق الجميع، وقبل كلّ تعريف”. لم أكن أفهم آنذاك حجم ما يقول، لكنني أفهمه الآن، بعد أن صار الوطن حقل ألغامٍ من الهويات المتصارعة.

اليوم، حين أسمع من يقول: “هذا وطنيّ لأنه من طائفتي”، أو “ذاك لا يستحقّ الوطن لأنه مختلف”، أشعر أن شيئاً كبيراً فينا قد انكسر. هل حقًاً ما زال كثيرون يظنون أن الوطن ميراث طائفيّ؟ أو مكافأة لمن يشبههم في المذهب والعقيدة؟

الوطن، أيّها السادة، ليس ورقة نسب.
ليس اسمًا في خانة “الدين” أو “الطائفة”.
الوطن كالحُبّ لا يُعرّف إلا بذاته.

الوطن هو أن تُؤمن أنّ المُختلف عنك في العقيدة والهويّة شريكٌ في الخسارة والانتصار، لا خصمٌ في المعركة.
هو أن تعلّم أبناءك أن سوريا، أو أي وطن تحيا فيه، لا تُصاغ من طينٍ واحد، بل من أرواح متعدّدة، وأنّ قوّتها تكمن في هذا التعدّد لا في إلغائه.

لكن هذا الفهم لا يُبنى من تلقاء ذاته، بل يحتاج إلى مشروع وطنيّ واضح المعالم. مشروع يبدأ من إرادة حقيقية لحماية الوطن من جرائم التطرّف والتمزيق، كتلك التي شهدناها في الاعتداء على كنيسة مار إلياس وغيرها من دور العبادة.

بيوت الله ليست بيوت طائفة

كيف نحمي سوريا من هذا المصير؟ كيف نعيد لها توازنها وأمانها؟

ذلك لا يكون إلا حين نجرؤ على مواجهة جذور المرض: حين ننبذ الطائفية لا بالشعارات، بل بالتشريعات والمحاسبة. حين نكفّ عن تبرير الكراهية، ونكفّ عن الصمت المتواطئ.

حين تُعاد التربية الوطنية إلى المدارس، لا كحصة مهملة، بل كروحٍ تبني جيلاً يرى في الاختلاف نعمة لا نقمة.

حين يصبح خطابنا الإعلامي والديني والمدني خطاباً جامعاً، لا ميداناً لتصفية الحسابات.

حين تُحمى الكنائس كما تُحمى الوزارات، والمساجد كما تُحمى الحدود، لأن بيوت الله ليست بيوت طائفة، بل أعمدة لوحدةٍ نادرة باتت تتداعى.

حين يُحاسب المحرّض، أيّاً يكن لونه أو انتماؤه، ولا يُسمح له أن يختبئ خلف أقنعة الهوية أو أقواس المقاومة الزائفة.

هذه الرؤية ليست ترفاً فكريّاً، بل ضرورة وجودية.

فما الوطن؟

هو في الحقيقة البيت الذي إمّا أن نقرّر أن نحميه معاً، أو أن نخسره معاً، وإلى الأبد.

ماهيّة الوطن سؤالٌ حتميّ يتوجّب علينا أن نسأله ونتأمّل عميقاً وبعيداً فيه قبل فوات الأوان.

ماجدة زيتون

كاتبة وشاعرة