المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في ستينات القرن الماضي كانت سنغافورة تُصنف بين أكثر دول آسيا فساداً. كان الحصول على معاملة حكومية أو عقد أو وظيفة يمر غالباً عبر الرشوة أو النفوذ، حتى أصبح الفساد جزءاً من الثقافة الإدارية اليومية. وعندما تولى لي كوان يو قيادة البلاد لم يبدأ بإلقاء الخطب، بل بدأ بسؤال واحد: هل الدولة أقوى من الفاسدين أم أن الفاسدين أقوى من الدولة؟
كانت الإجابة عملية لا نظرية. لم يكتفِ باعتقال بعض المسؤولين، بل أعاد بناء المؤسسات، ومنح أجهزة مكافحة الفساد استقلالاً كاملاً، ورفع رواتب الموظفين، وشدد الرقابة، والأهم أنه سمح للقانون بأن يصل إلى كل مسؤول مهما كان موقعه. عندها فقط بدأ الفساد يفقد بيئته، ولم تعد المعركة مع أفراد، بل مع النظام الذي كان ينتجهم.
هذا الدرس هو ما يجعل ما يجري اليوم في بغداد أكبر من مجرد حملة اعتقالات.
الحدث لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ملاحقة لعدد من النواب أو المسؤولين، بل بوصفه اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على استعادة احتكارها للقوة والمال والشرعية. فالفساد في العراق، منذ العام 2003، لم يكن مجرد سلوك أفراد، بل تحول إلى نموذج للحكم. شبكة معقدة تداخل فيها النفوذ السياسي مع المال العام، والسلاح، والانتخابات، والاقتصاد، والوظيفة العامة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين الدولة ومن يستفيد منها.
لهذا فإن اعتقال عشرات المسؤولين، مهما كان حجمه، لا يعني بالضرورة أن هذه المنظومة بدأت بالانهيار، بل قد يعني فقط أن مرحلة جديدة من إعادة ترتيب مراكز النفوذ قد بدأت.
السؤال الحقيقي ليس: كم نائباً اعتُقل؟ السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدولة أن تصل إلى آخر خيط في شبكة الفساد، مهما كان صاحبه أو حجم نفوذه؟
ثلاثة اختبارات حاسمة
لقد اعتاد العراقيون خلال العقدين الماضيين على لجان تحقيق وهيئات نزاهة وملفات فساد بمليارات الدولارات، لكن النتيجة غالباً كانت واحدة: تتغير الأسماء، بينما تبقى البنية التي تنتج الفساد كما هي.
ولهذا فإن تقييم الحملة الحالية لا يجب أن يُبنى على عدد المعتقلين، بل على ثلاثة اختبارات حاسمة.
أولها الانتقائية. فإذا بقيت الحملة محصورة داخل تيار سياسي معين أو حكومة سابقة، فإنها ستتحول سريعاً إلى جزء من الصراع السياسي، مهما كانت نوايا الحكومة مختلفة.
أما إذا وصلت التحقيقات إلى جميع القوى السياسية، وإلى الشخصيات التي كانت تُعد طوال السنوات الماضية فوق المساءلة، فسيكون العراق أمام بداية مشروع دولة حقيقي.
أما الاختبار الثاني فهو المال السياسي. فما كشفته التحقيقات عن احتمال استخدام المال العام في الحملات الانتخابية أخطر من ملفات الرشاوى التقليدية. لأن القضية هنا لا تتعلق بسرقة المال فقط، بل بسرقة إرادة الناخب.
فعندما تتحول موارد الدولة إلى أدوات انتخابية، تصبح الانتخابات نفسها جزءاً من منظومة الفساد، وليس وسيلة لتغييرها. وإذا أثبت القضاء ذلك، فإن النقاش لن يكون حول مسؤولين متهمين، بل حول شرعية العملية السياسية نفسها.
أما الاختبار الثالث، فهو الأصعب على الإطلاق. إنه السلاح خارج الدولة. فالدولة لا تستطيع أن تطبق القانون بصورة متساوية إذا بقيت هناك قوى تمتلك المال والسلاح والنفوذ السياسي في الوقت نفسه.
ولهذا فإن استرداد الأموال، مهما كان مهماً، لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع استعادة الدولة لاحتكار القوة وفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء. وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
إن مواجهة مسؤول متهم بالفساد تختلف جذرياً عن مواجهة منظومة تمتلك السلاح والاقتصاد والإعلام والنفوذ السياسي معاً. ومن هنا ستكون الأشهر المقبلة أكثر أهمية من الأيام الماضية. فإذا استطاعت الحكومة الانتقال من استرداد الأموال إلى إعادة بناء سلطة الدولة، فإن العراق قد يكون أمام أكبر تحول سياسي منذ عام 2003. أما إذا توقفت الحملة عند خصوم سياسيين محددين، فسوف تتحول إلى فصل جديد من إعادة توزيع السلطة، لا أكثر.
هناك عامل آخر يمنح المشهد أهمية إضافية، وهو إعلان رئيس الوزراء عدم رغبته في تأسيس حزب سياسي أو السعي إلى ولاية ثانية. غير أن قيمة هذا الإعلان لن تُقاس بالتصريحات، وإنما بقدرته على حماية استقلال القضاء، وضمان استمرار التحقيقات حتى لو وصلت إلى شخصيات كانت حتى الأمس القريب تُعد خطوطاً حمراء.
لقد أثبتت تجربة سنغافورة أن الدول لا تنتصر على الفساد عندما تعتقل الفاسدين فقط، بل عندما تبني مؤسسات تجعل إنتاج الفساد أمراً بالغ الصعوبة.
ولهذا فإن العراق لا يحتاج اليوم إلى حملة اعتقالات ناجحة فحسب، بل إلى إصلاح القضاء، وتعزيز استقلال هيئة النزاهة، وإعادة تنظيم تمويل الأحزاب، وإصلاح الإدارة المالية، وتشديد الرقابة على العقود العامة، وإغلاق منافذ الاقتصاد الموازي.
في النهاية، لن يُقاس نجاح هذه الحملة بعدد المعتقلين، ولا بحجم الأموال المصادرة. بل بسؤال واحد فقط: هل يستطيع العراقي، بعد خمس سنوات، أن يصدق أن القانون أصبح أقوى من النفوذ؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يحدث اليوم سيكون بداية ولادة الدولة. أما إذا بقيت بعض الملفات محصنة بالسلاح أو النفوذ أو التوازنات السياسية، فإن التاريخ سيكتب أن العراق لم يهزم الفساد، بل اكتفى بتغيير أسماء من يديرونه.
فاروق الدباغ