المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: حين تتحدث الأحزاب الأوروبية عن الهجرة، يكون السؤال عادة: كم مهاجراً تستطيع أوروبا أن تستقبل؟ وكيف يمكن دمجهم؟ وما أثر الهجرة في سوق العمل والجريمة والاقتصاد ودولة الرفاه؟ لكن سؤالاً آخر بدأ يستحق اهتماماً أكبر: ماذا يحدث عندما يتحول المهاجر، بعد سنوات من الإقامة والحصول على الجنسية، من موضوع في البرامج الانتخابية إلى ناخب يشارك بنفسه في تحديد من يحكم؟

السؤال مهم بالنسبة إلى السويد تحديداً، حيث أصبحت نسبة كبيرة من السكان من مواليد الخارج أو من أبناء المهاجرين، وأصبح تأثير هذه الفئات في الانتخابات المحلية والوطنية أكبر من السابق.

وقبل الانتخابات السويدية الأخيرة، أظهرت دراسة اتجاهات الأحزاب التي نشرتها هيئة الإحصاء السويدية SCB في مايو 2026 وجود فروق واضحة بين بعض المجموعات. فقد كان التأييد للحزب الاشتراكي الديمقراطي (S) وحزب اليسار (V) أعلى بين المولودين خارج السويد منه بين المولودين داخلها، بينما كان تأييد المحافظين (M) وديمقراطيي السويد (SD) أعلى بين المولودين في السويد. أما حزب البيئة (MP) فلم يظهر فرقاً إحصائياً واضحاً بين المجموعتين. وتؤكد SCB أن هذه الأرقام تقيس التعاطف الحزبي وليس بالضرورة التصويت الفعلي يوم الانتخابات.

وهنا يمكن طرح سؤال استشرافي ربما يصبح أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة: إذا استمرت الهجرة، واستمر جزء كبير من الناخبين من أصول مهاجرة في الميل إلى أحزاب يسار الوسط واليسار، فهل يؤدي ذلك في المقابل إلى دفع مزيد من الناخبين من دون خلفية مهاجرة نحو اليمين؟ وهل يمكن أن نصل يوماً إلى مشهد انتخابي يصبح فيه الأصل والهجرة أحد خطوط الانقسام السياسي الرئيسية في أوروبا؟

دراسة ألمانية حديثة تساعد على فهم المسألة، لكنها في الوقت نفسه تحذر من التبسيط. المركز الألماني لأبحاث الاندماج والهجرة DeZIM درس سلوك الناخبين في انتخابات البوندستاغ عام 2025. وشملت الدراسة ناخبين من أصول تعود إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، والاتحاد الأوروبي، ودول الاتحاد السوفيتي السابق، إضافة إلى ناخبين من دون خلفية مهاجرة.

وجد الباحثون أن الأشخاص ذوي الخلفية المرتبطة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا كانت احتمالات تصويتهم للحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) أعلى بـ18.5 نقطة مئوية مقارنة بالناخبين من دون خلفية مهاجرة، كما كان الميل إلى حزب اليسار وBSW أعلى. وفي المقابل كانت احتمالات تصويتهم لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) أقل.

لكن المفاجأة تظهر عندما ننظر إلى مجموعة أخرى من المهاجرين. فالناخبون القادمون من دول الاتحاد السوفيتي السابق أظهروا ميلاً أكبر نحو AfD وبعض الخيارات المحافظة واليمينية، بينما كان سلوك الناخبين ذوي الخلفيات القادمة من دول الاتحاد الأوروبي قريباً بدرجة كبيرة من سلوك الألمان من دون خلفية مهاجرة.

وهذا يعني أن العبارة الشائعة: “المهاجرون يصوتون لليسار” لا تصمد عندما نفكك كلمة “المهاجرين” إلى مجموعاتها المختلفة.

هل يمكن توقع أصوات المهاجرين؟

دراسة أحدث نشرها DeZIM في 31 أغسطس 2026 توصلت إلى نتيجة أكثر أهمية: الأصل المهاجر عامل مؤثر، لكنه ليس بالضرورة أقوى من العمر والجنس والدخل والوضع الاجتماعي. وشملت الدراسة 2,631 ناخباً وتابعت الأشخاص أنفسهم في فترتين مختلفتين. كما لاحظ الباحثون تراجع استعداد بعض الناخبين من أصول الشرق الأوسط وتركيا والاتحاد السوفيتي السابق للنظر إلى الأحزاب القائمة باعتبارها خيارات يمكن التصويت لها. بمعنى آخر، قد يكون الخطأ الأكبر أن تنظر الأحزاب الأوروبية إلى “المهاجر” وكأنه ناخب ثابت يمكن توقع صوته مسبقاً.

المهاجر الذي يصل إلى أوروبا عاملاً أو لاجئاً قد تكون أولوياته في البداية الإقامة ولمّ الشمل ودولة الرفاه ومكافحة التمييز. وبعد عشرين عاماً قد يصبح صاحب شركة أو منزل، وقد تصبح الضرائب أو الأمن أو المدارس أو أسعار الطاقة أهم بالنسبة إليه من سياسة الهجرة. أما أبناؤه، فقد تكون أولوياتهم مختلفة تماماً.
لذلك يمكن أن يؤدي الاندماج على المدى الطويل إلى تفكيك الصوت المهاجر بدلاً من توحيده.

ومع ذلك، تبقى هناك معضلة سياسية تستحق التفكير. ماذا لو أصبحت أصوات المواطنين من أصول مهاجرة حاسمة في دوائر أو مدن أو حتى في انتخابات وطنية شديدة التقارب؟ كيف ستتصرف الأحزاب المحافظة واليمينية؟

أحد الاحتمالات هو مزيد من التشدد في الهجرة وشروط الحصول على الجنسية، بحيث يجري التأثير في حجم الجسم الانتخابي المستقبلي قبل وصول المهاجر إلى مرحلة المواطنة. والاحتمال الثاني مختلف تماماً: أن تحاول أحزاب اليمين نفسها كسب هؤلاء الناخبين بدلاً من تركهم لمنافسيها.

وقد نشاهد عندها عدداً أكبر من المرشحين من أصول عربية أو أفريقية أو آسيوية داخل الأحزاب المحافظة واليمينية، ورسائل انتخابية تستهدف أصحاب الشركات الصغيرة والأسر المحافظة والناخبين المهتمين بالأمن والنظام والتعليم.

وقد يفتح ذلك أيضاً نقاشاً داخل الأحزاب حول أشكال من التمثيل أو “الكوتا” لضمان وجود مرشحين من خلفيات مختلفة. لكن مثل هذا الاتجاه يحمل سؤالاً آخر: هل يمثل السياسي المواطن بصفته مواطناً، أم يتحول تدريجياً إلى ممثل لجالية أو مجموعة إثنية أو دينية؟

في السويد توجد أيضاً نقطة قانونية مهمة كثيراً ما تضيع في هذا النقاش. فالانتخابات البرلمانية تتطلب الجنسية السويدية. أما في انتخابات البلديات والأقاليم، فيستطيع بعض غير الحاصلين على الجنسية السويدية التصويت وفق شروط الإقامة والجنسية التي يحددها القانون؛ فمواطنو الاتحاد الأوروبي والنرويج وآيسلندا يتمتعون بحق التصويت المحلي وفق قواعد معينة، بينما يحتاج مواطنو الدول الأخرى عموماً إلى الإقامة المسجلة في السويد ثلاث سنوات متصلة قبل يوم الانتخابات.

لذلك، إذا تصاعد مستقبلاً القلق السياسي من تغير الخريطة الانتخابية بسبب الهجرة، فمن المرجح أن يصبح النقاش حول الهجرة والإقامة والتجنيس أكثر واقعية سياسياً من التفكير في التفريق بين المواطنين في حق التصويت بعد اكتسابهم الجنسية.

لكن هناك سيناريو آخر أكثر حساسية. كلما شعر قسم من السكان من دون خلفية مهاجرة بأن التغير الديموغرافي قد يغير موازين السلطة السياسية، يمكن أن يزداد انجذاب بعضهم نحو أحزاب تدعو إلى تقليل الهجرة وتشديد شروط الجنسية.

وفي الاتجاه المعاكس، كلما شعر المواطن من أصل مهاجر بأن صعود اليمين يمثل تهديداً لمكانته أو أسرته أو إمكانية لمّ الشمل، يمكن أن يزداد دافعه للتصويت إلى أحزاب تقف في الجهة الأخرى.

وهكذا قد يبدأ الطرفان بتغذية بعضهما بعضاً. الخوف من نفوذ المهاجرين يقوي اليمين، والخوف من اليمين يدفع بعض المهاجرين نحو اليسار. وهذا النوع من الاستقطاب لا يهم الأحزاب الأوروبية وحدها.

الاتحاد الأوروبي بات يتعامل بصورة متزايدة مع التدخل الأجنبي والتلاعب بالمعلومات باعتبارهما تهديداً للعملية الديمقراطية. وفي يونيو 2026 اعتبرت لجنة خاصة في البرلمان الأوروبي روسيا أبرز مصدر خارجي للتهديدات الهجينة، وأشارت كذلك إلى نشاط الصين وإيران وبيلاروسيا وكوريا الشمالية. ولهذا يعمل الاتحاد ضمن ما يسمى “الدرع الأوروبي للديمقراطية” على مواجهة التدخل الأجنبي والتضليل والتلاعب الرقمي المرتبط بالانتخابات.

لا يعني ذلك أن هذه الدول تستطيع أن تصنع الانقسام من الصفر، لكنها تستطيع الاستفادة من انقسام موجود أصلاً: مهاجر في مواجهة مواطن مولود في البلد، يمين في مواجهة يسار، أو جماعة تشعر بأنها تخسر نفوذها في مواجهة جماعة تعتقد أنها ما زالت غير ممثلة.

وربما يكون هذا هو السؤال الأوروبي الحقيقي في المستقبل. ليس: هل سيصوت المهاجرون لليسار؟
ولا: هل سيتجه الأوروبيون من دون خلفية مهاجرة جميعاً إلى اليمين؟ فالدراسات لا تدعم أياً من التعميمين.

السؤال الأهم هو: ماذا يحدث للديمقراطية الأوروبية إذا بدأت الأحزاب والناخبون أنفسهم بالنظر إلى الانتخابات باعتبارها منافسة ديموغرافية بين الجماعات؟ عندها لن يبقى النقاش حول عدد المهاجرين الذين يدخلون أوروبا. بل سيصبح حول من يملك القوة السياسية داخل أوروبا بعد عشر أو عشرين سنة.

فاروق الدباغ