المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
إنه عام الانتخابات في السويد. أول انتخابات تجري بعد تجربة حكم وُلد بتحالف تاريخي بين يمين الوسط والحزب القومي “ديمقراطيو السويد” (SD). الأحزاب تبدأ العام بتمترس يهدد الكتلتين، الوسط لا يريد تسمية مرشحه لرئاسة الوزراء. اليسار يصر على المشاركة في الحكومة المقبلة إن فازت كتلة الحمر الخضر. الليبراليون يرفضون دخول SD الحكومة، مع إصرار الأخير أن يكون جزءاً منها إن لم يكن رئيسها. وفي الأثناء يصرخ كثير من المهاجرين “لا تسمحوا لحكومة SD بالفوز”، في حين يميل بعضهم للحزب.
في انتخابات 2022 بلغت نسبة التصويت العامة 84.2 بالمئة من مجموع الناخبين في السويد. وهي من النسب الأعلى بين ديمقراطيات العالم. لكن هذه لم تكن حال المولودين في الخارج حيث بلغت نسبة المشاركة لديهم 67 بالمئة، لتسجل أكبر فجوة مقارنة مع نسبة تصويت المولودين داخل البلاد التي بلغت 89 بالمئة بفارق 22 بالمئة. وسجل أبناء المهاجرين، المولودين في السويد لأبوين مولودين في الخارج، نسبة مشاركة في الانتخابات بلغت 77 بالمئة.
تعكس الأرقام تفاوتاً في إدراك أهمية التصويت ليس بين المهاجرين والسويديين الإثنيين فحسب بل بين المهاجرين وأبنائهم أيضاً.
فازت كتلة اليمين في النهاية بفارق 50 ألف صوت وفق الحسابات الرياضية. وكان يمكن لنسبة الـ22 بالمئة التي لم تصوت من المولودين في الخارج أن تقلب المعادلة، في حال اختلف توزعها عن توزع نسب التصويت العام.
المتابع لتعليقات ومنشورات المستخدمين على وسائل التواصل اليوم يلحظ تحشيداً لدى المهاجرين باتجاه المشاركة في انتخابات 2026، على الأقل بين الناطقين بالعربية، بعد تجربة حكم اليمين التي رأى كثيرون أنها تنتج مزاجاً عاماً معادياً للمهاجرين، لا مجرد قوانين تصعّب الهجرة وتشدّد العقوبات.
يصرخ كثيرون بالعربية مطالبين الجميع بالتصويت. وفي حين يبدو من المنشورات والتعليقات أن كتلة الحمر الخضر هي الخيار الوحيد لهؤلاء، لا في مواجهة اليمين وSD فحسب بل في مواجهة أحزاب صغيرة ناشئة أيضاً، فإن أرقام 2022 قد تقول غير ذلك.
وفق كتاب تحليلي أعدته جامعة يوتيبوري، فإن 58 بالمئة من الأشخاص الذين نشؤوا خارج السويد وأبنائهم صوتوا لصالح كتلة المعارضة (الاشتراكيون الديمقراطيون واليسار والبيئة والوسط) مقابل 39 بالمئة لأحزاب اليمين الحاكمة (المحافظون والمسيحين الديمقراطيون والليبراليون وديمقراطيو السويد)، و3 بالمئة للأحزاب الأخرى. في حين صوت 16 بالمئة من المهاجرين المولودين في الخارج (الجيل الأول) لحزب SD.
والفارق يزداد بين الكتلتين عند الحديث عن المولودين خارج أوروبا أو أبنائهم، فهؤلاء صوتوا لليسار بنسبة 68 بالمئة ولليمين بنسبة 29 بالمئة. و3 بالمئة للأحزاب الأخرى.
لم ترصد استطلاعات الرأي السويدية توجهات الـ33 بالمئة من الناخبين المولودين في الخارج الذين لم يشاركوا في الانتخابات الماضية، وهذا فراغ تحاول الكومبس ملأه باستطلاعات رأي موجهة على الأقل للناطقين بالعربية.
نسبة الـ33 بالمئة كان يمكن أن تقلب المعادلة في السويد حقاً، حتى لو صوتت بنفس توزع النسب، (68 بالمئة لليسار و29 بالمئة لليمين) لأن ذلك سيحدث فارقاً ولو ضئيلاً في توزع نسب التصويت العامة.
وبغض النظر عمن يفوز في الانتخابات المرتقبة، ولمن سيصوت المهاجرون وسط تحشيد يستفيد أيضاً من خلافات دينية، فإن الحقيقة الواضحة في كل هذا أن نزول المهاجرين للمشاركة في الانتخابات تحدث فارقاً بكل تأكيد.
من بديهيات السويد أن السياسة تدخل في كل شيء، من شكل الحديقة أمام البيت إلى الضرائب إلى الانضمام لحلف الناتو. وربما شكلت السنوات الأربعة الماضية درساً مهماً لكثيرين ممن كانوا يعتبرون السياسة كما في دول بالشرق الأوسط “كلام فارغ يقوله من في السلطة”.
تمترس ما قبل الانتخابات
تدخل الأحزاب الثمانية عام الانتخابات متمترسة تقريباً عند مواقفها بما يخص التحالفات. على جهة اليسار يرفض الوسط حتى الآن تسمية مرشحه بين مجدلينا أندرشون وأولف كريسترشون، فهل يصمد طويلاً على هذا الموقف أم ستضطره أرقام الاستطلاعات إلى إعلان موقف واضح كما حدث في 2022؟
ولا تزال نوشي دادغوستار متمسكة بقرار مشاركة حزب اليسار في حكومة يسارية مقبلة، رغم أنف الوسط. لكن من المبكر ربما القول إن هذا موقف نهائي للحزب، خصوصاً إذا كان ذلك يعني فشل تشكيل حكومة يقودها الاشتراكيون لصالح حكومة يمينية قد يرأسها هذه المرة جيمي أوكيسون.
وعلى جهة اليمين، يرفض الليبراليون حتى الآن أي مشاركة لحزب SD في حكومة يمينية مقبلة، في حين يصر أوكيسون على المشاركة، بل ربما رئاسة الحكومة، إن كانت نسب التصويت تشبه ما يحصده في استطلاعات الرأي هذه الأيام. الفارق الهائل بين SD (ثاني أكبر الأحزاب حالياً) والليبراليين (المهددين بعدم دخول البرلمان) قد يضطر سيمونا موهامسون أو رئيساً غيرها إلى النزول عن الشجرة والقبول بما يفرضه SD.
رئيسة المسيحيين الديمقراطيين إيبا بوش قد تقلب الطاولة على الجميع. حديثها الليّن تجاه مجدلينا أندرشون يضع اليمين كله على حافة الهاوية وقد يغير، إن تحول إلى تحالف، كل المعادلات.
الصورة تبدو مضطربة الآن، والتمترس الحالي ليس نهائياً، فأرقام استطلاعات الرأي كفيلة بدفع رؤساء الأحزاب إلى تقديم تنازلات كبيرة. فهل يعي كثير من المهاجرين أهمية أصواتهم التي يتجاهلها سياسيون، وأهمية المشاركة في استطلاعات الرأي أيضاً؟ لأن حضورهم قد يرسم خريطة التحالفات المقبلة، وخريطة المستقبل لأبنائهم.
مهند أبو زيتون