المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في خطوة تأتي ضمن نقاشات واسعة، أعلنت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد أن الحكومة قررت التخلي عن استخدام مصطلح “الإسلاموفوبيا”، وتغييره إلى تعبير “العنصرية ضد المسلمين”. وبرّرت الوزيرة هذا القرار بأن كلمة “فوبيا” توحي بخوف فردي غير عقلاني، بينما ترى الحكومة أن التركيز يجب أن يكون على التمييز والعنصرية بوصفهما ظواهر يمكن تحديدها قانونياً. كما أشارت إلى أن المصطلح قد يختلط بانتقاد الأديان، وهو ما لا تسعى الحكومة إلى تقييده.
غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع في السويد، حيث تصاعد حضور خطاب نقد الإسلام في السنوات الأخيرة، خاصة مع تأثير حزب ديمقراطيي السويد (SD) على المشهد السياسي. وفي هذا الإطار، يبدو القرار أقرب إلى إعادة رسم الحدود بين ما يُعد عنصرية وما يُعتبر نقداً مشروعاً، أكثر من كونه مجرد تصحيح لغوي محايد.
في الظاهر، يبدو القرار بسيطاً: لم نعد نستخدم كلمة “الإسلاموفوبيا”، بل سنقول “العنصرية أو التمييز ضد المسلمين”. تغيير في المصطلحات، لا أكثر. لكن عند التوقف قليلاً، يتضح أن المسألة ليست لغوية فقط، بل تتعلق بطريقة فهم المشكلة نفسها وحدود ما نراه تمييزاً، وما نعتبره مجرد “نقاش مشروع”.
لفترة طويلة، كان مصطلح “الإسلاموفوبيا” يحاول وصف واقع يشعر به كثير من المسلمين في حياتهم اليومية. لم يكن يتعلق فقط بكراهية واضحة أو اعتداء مباشر، بل بشيء أكثر تعقيداً: نظرة شك، صورة نمطية، وإحساس دائم بأنك تحت التقييم. شيء لا يُقال دائماً بصوت عالٍ، لكنه يُفهم ويُعاش. لهذا كان المصطلح واسعاً، وربما غير دقيق، لكنه كان يلتقط هذا الجانب الخفي من التجربة.
اليوم، يأتي التوجه الجديد ليقول: دعونا نكون أدق. لا نتحدث عن مشاعر أو مناخ عام، بل عن أفعال واضحة. هل هناك تمييز ضد مسلم؟ هل هناك عنصرية يمكن إثباتها؟ إذا كان الجواب نعم، فالقانون يتدخل. وإذا لم يكن هناك دليل مباشر، فالأمر يخرج من إطار المشكلة. هنا يبدو كل شيء منطقياً ومنظماً، وكأننا انتقلنا من الفوضى إلى الوضوح.
لكن هذا “الوضوح” يفتح باباً لسؤال أعمق: ماذا عن كل ما لا يمكن إثباته بسهولة؟ ماذا عن تلك اللحظات الصغيرة التي لا تُكتب في التقارير، لكنها تتكرر وتراكم أثرها مع الوقت؟ حين يتم تضييق التعريف، لا تختفي المشكلة، بل يضيق مجال رؤيتها.
الواقع أكثر تعقيداً
في هذا السياق، تقوم الفكرة الجديدة على فصل يبدو بسيطاً: يمكن نقد الإسلام بحرية، لكن لا يجوز التمييز ضد المسلمين. فكرة مقنعة على الورق، لكنها في الواقع أكثر تعقيداً. لأن المسلم لا يعيش دينه كفكرة منفصلة عنه، بل كجزء من هويته؛ في الاسم، والمظهر، والقيم، وتفاصيل الحياة اليومية.
وهنا تبدأ المفارقة. عندما يُقال “نحن لسنا ضد المسلمين، نحن ضد الإسلام”، يبدو الكلام منضبطاً قانونياً. لكن في الواقع، هذا الفصل لا يصمد دائماً. لأن نقد الإسلام، إذا كان مستمراً وحاداً، لا يبقى معلقاً في الفراغ، بل ينعكس على نظرة الناس إلى المسلمين أنفسهم. وفي النهاية، كثير من المسلمين يحملون هذا الإسلام في دواخلهم، فكراً وممارسة وانتماء.
بهذا الشكل، قد نكون أمام وضع جديد: حماية قانونية واضحة للفرد، مقابل مساحة أوسع وأكثر جرأة لنقد ما يمثله هذا الفرد. والنتيجة ليست فقط عنصرية مباشرة يمكن إثباتها، بل أيضاً ضغط اجتماعي وثقافي يتسلل بهدوء. لا أحد يقول لك إنك مرفوض، لكن كل ما تمثله يصبح محل مساءلة دائمة.
هذا النوع من التمييز لا يظهر بسهولة. لا يُسجَّل كجريمة، ولا يُقاس بالأرقام، لكنه يُعاش يومياً: في مقابلة عمل، في خبر إعلامي، أو في نقاش عابر. ومع تغيير المصطلح، قد لا يختفي هذا الواقع، بل قد يصبح أقل قابلية للرصد، لأنه لم يعد يحمل اسماً واسعاً يلتقطه.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود نية معلنة لتوسيع دائرة الإقصاء، لكن من الصعب تجاهل أن إعادة تعريف المشكلة بهذه الطريقة تخلق مساحة أوسع لما يمكن تمريره تحت عنوان “نقد مشروع”، حتى حين يقترب في أثره من التمييز.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بكلمة تُستبدل بأخرى، بل بطريقة نظر كاملة يعاد تشكيلها. فالمصطلحات لا تصف الواقع فقط، بل تعيد رسم حدوده أيضاً.
ومع كل ذلك، يبقى السؤال الأساسي قائماً: هل يتغير الواقع فعلاً عندما نغيّر الكلمات؟ التجربة تقول إن الجواب ليس بهذه البساطة. يمكن للغة أن توضح وتضبط وتعيد ترتيب الأولويات، لكنها لا تلغي ما هو قائم. فالصورة النمطية لا تختفي بقرار إداري، والتمييز لا ينتهي بمجرد إعادة تسميته.