Lazyload image ...
2012-06-19

في كتابه "الخروج من العراق " (دار النشر السفاردية 1972القدس) يُسَّلِطُ "اسحاق بار موشيه" الضوء على تراجيديا النَّهبِ و التَّرحيل الذي تَّعرض له يهود العراق، و رحلة معاناتهم الانسانية التي بقيت شاخِصةً في ضمائر العراقيين، رغم السياسات التي استهدفت "ذاكرتنا الجمعية" بغرض تجفيفها بعد تبرير مشاهد صور واحداث مُشَّوِهة لتاريخنا الحديث.

الكاتب: دانا جلال

في كتابه "الخروج من العراق " (دار النشر السفاردية 1972القدس) يُسَّلِطُ "اسحاق بار موشيه" الضوء على تراجيديا النَّهبِ و التَّرحيل الذي تَّعرض له يهود العراق، و رحلة معاناتهم الانسانية التي بقيت شاخِصةً في ضمائر العراقيين، رغم السياسات التي استهدفت "ذاكرتنا الجمعية" بغرض تجفيفها بعد تبرير مشاهد صور واحداث مُشَّوِهة لتاريخنا الحديث.


 تنوية من الكومبس

يثير الكاتب موضوعا له جوانب إنسانية مهمة يتعلق بمن تعرض للاضهاد والتنكيل من يهود العراق، وهو موضوع يلقي الضوء أيضا على أخطاء قاتلة اقترفتها الأنظمة العربية بما فيها العراق، في التعامل مع رعاياها اليهود بانتهاك حق مواطنتهم، وهذا ما ساعد الدعاية الصهيونية وأعطى لها خدمة مجانية لرفد المشروع الصهيوني بالقوى البشرية من خلال الهجرات الجماعية.

نترك للكاتب حرية طرح رأيه في مسألة اعتذار الحكومة العراقية على إساءة معاملتها لجزء من مواطنيها، في ظل تجاهل إسرائيلي كامل لطرح مسالة اعتذارها أو اعترافها بتهجير شعب كامل عن أرضه. 

كتب موشيه بعد خروجه من بغداد " نتذكر بحزن ان حكام العراق آنذاك كانوا يصفوننا بأننا يهود، وقد تركنا العراق كيهود ووصلنا اسرائيل كعراقيين، المنظر مأسوي ومضحك في الوقت نفسه، فقد ساعدنا حكام العراق على تثبيت هويتنا، وها هم اليوم أبناء ديننا وجلدتنا يساعدوننا مرة اخرى على تأكيد وتثبيت عراقيتنا ". ويضيف موشيه " كنت اتجول بين القادمين كلما سنحت لي الفرصة وابحث عن معارفي وأهلي واصدقائي، لقد تحول الجميع الى أعزاء قوم ذلوا واستبيحوا مرتين مرة بيد حكومة العراق ومرة بيد حكومة اسرائيل ".

جرائم الابادة التي ارتكبت بحق يهود العراق، والتي بدأت بشكل منظم من خلال عمليات الفرهود الأولى عام1941، وعمليات التهجير عام 1948، والاستيلاء على أملاكهم وأموالهم، وأسقاط الجنسية العراقية عنهم قد شوه قزح الديموغرافية العراقية واجتث احد اهم منابعنا التاريخية والحضارية والفكرية بعد ازالة 2.6% (نسبة يهود العراق) من الحياة اليومية العراقية.

"لغز يهود العراق" في غربة وطنهم يؤرق اصحاب القرار ومراكز الابحاث في اسرائيل، لغز طرحه بصيغة حنين بغدادي وسؤال فيه نكهة الادانة أ.د. شموئيل (سامي) موريه في "ذكريات عراقية في وثائق منسية"( وما زلت أتذكر بساتين العراق وقد كستها الأعشاب الى خاصرتي، تبدو برقة الديباج، "كرفرف الخلد طيبا". وأسائل النفس، ترى لماذا هذا الحنين الطاغي بعد أكثر من ستين عاما على الرحيل؟ واي شيء يشد يهود العراق إليه إلى يومنا هذا؟، فتراهم محافظين على لهجتهم وأغانيهم وعاداتهم وتقاليدهم وذكرياتهم في العراق وذكرى الاصدقاء والجيران الذين عاشوا معهم اياما خصيبة وعصيبة، وهم يتسقطون أخباره ويحزنون لمآسيه؟).

"لغز اليهود في العراق" بعد ان بقي منهم العشرات في العراق، هو خوفهم من الاعلان عن "الذات" و"الهوية" رغم ان حكومة بغداد تعلن عن نفسها بانها دولة للقانون، ودستورها بعموده الفقري الاسلامي فيه ديمقراطية الاسلام واعترافه بحقوق النساء والقوميات والديانات الاخرى وبالأخص ممن هم من "اهل كتاب".

كي يعلن "اليهود" كبقية البشر الإعلان عن هويتهم ووجودهم في وطنهم "العراق"، فان الحكومة العراقية مطالبة بواجب الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبت بحقهم، وان تعيد لهم الجنسية التي اسقطت عنهم، مع اعادة اموالهم واملاكهم التي صودرت بعد تعويضهم المادي والمعنوي. الاعتذار من "يهود العراق" يجب ان يرافقه اعادة لصياغة وعينا الجمعي بعد ان شوهتها الخِلافات، والامبراطوريات، والاحتلالات، وحكومات تعاقبت على توريث قمعها وضاعفت من تراكم الألم الإنساني لضحاياها.

صياغة الوعي الجمعي بشكل ديمقراطي والانتصار للضحايا هي مسئولية الجميع.

هل نوضح في مناهج تعليمنا، وخُطب جُمَّعِنا، وبيانات قادتنا بان عمليات الفرهود والتهجير التي مورست بحق الكورد الفيلية، والجرائم التي ارتكبت في كوردستان وبقية مدن العراق، وما جرى من نهب وفظائع بعد غزو الكويت وايران قد بدأت بجريمة فرهود اليهود عام1941 . وان الذين مارسوا الفرهود ضد اليهود وبؤر المقاومات العراقية والكويتيين والايرانيين قد ولدوا من ذات الحاضنة الاجتماعية والايديولوجية. على الحكومة العراقية ان تعتذر من اليهود العراقيين، فثقافة الاعتذار شجاعة وانتصار على الذات. هل املك الشجاعة التي اطلبها من الحكومة العراقية؟

هي قصة الطفولة حينما شاركت فيها اطفال محلتي "سر كاريز" في غارات حمقاء على الاطفال اليهود في "الحي اليهودي" المجاور. اعتذر من اطفال يهود لا اتذكر ملامحهم، قد يتذكرونني لان ذاكرة الضحايا اعمق، اعتذر من الاطفال اليهود في مدينتي، كما أعتذر من طفولتي كي اتحرر من وهم ديني واجتماعي ناولني حجر ودلني على حي يهودي.

اعتذرت من اطفال لم اشتبك معهم، فهل يعتذر جنود الاحتلال من اطفال فلسطين الذين قتلوا ما بين حض الامومة واغصان الزيتون؟. دولة لا تعترف بقتلها للأطفال دولة من ورق.

اعتذرت من اطفال لم اشتبك معهم، فهل تعتذر منظمات، واحزاب، وحركات فجرت بمفخخة الموت، و بسمَّلة الدين جسد الطفولة اليهودية؟. ان لم يعتذروا فان الهتهم اكذوبة تنطق بهوى البندقية ووحي مأجور.

_____________