Lazyload image ...
2016-01-12

الكومبس – مقالات الرأي: لفت إنتباهي خلال فترة تدريبي كمساعد مدرس في إحدى المدارس الثانوية السويدية في خريف سنة 2014، إنقسام الطلاب في الفصول الدراسية لمادة الرياضيات 1 و4 الى مجموعات منفصلة، مجموعات ذكور ومجموعات اناث.

تكرر المشهد يوميا في كل درس للرياضيات في برنامجي التمريض والعلوم وهو ما أثار لدي الفضول لمعرفة أسباب هذا الإنقسام.

تحاورت مع مدرسهم الأصلي فأبتسم وأجابني بانه فعلا لا يعرف السبب، فجلست أفتش في شبكة الانترنت بحثًا عن إجابة لهذه الظاهرة والتي ربما تعتبر نادرة في المجتمع السويدي الحديث، بسبب سياق المطالب المحلية والدولية تجاه ما يُعرف بالمساواة بين الجنسين والحركة النسوية. ولكن للأسف لم أعثر على إجابة فالموارد التي تتحدث عن الإنقسامات بين الجنسين في الفصول الدراسية ضئيلة للغاية.

فكرت بمحاكاة الظاهرة بظاهرة أخرى مثل التدخين، فسرطان الرئة ينجم بسبب التدخين، وبعبارة أخرى، يعدّ سرطان الرئة واحد من الأثار السلبية للتدخين، بينما يعدّ التدخين سبب رئيسي لهذه الأثار، في حين يعدّ وجود التبغ عامل رئيسي للتدخين.

بدأت من هذه الفكرة البسيطة أفكر في البحث عن عوامل وأسباب وأثار انقسام الطلاب وبعدها طلبت الاذن من الجامعة ومدرسهم الأصلي في المدرسة الثانوية بإستخدام إستبيان والرصد البصري في الفصول الدراسية لإستكشاف الظاهرة.

وحصلتُ بالفعل على موافقة سريعة من كلا الإدارتين المدرسة والجامعة للقيام بذلك مع مراعاة الجوانب الاخلاقية للأبحاث العلمية كحرية مليء الإستبيان. ولكن كانت هناك معضلة صغيرة فالطلاب هم من فئة مراهقين في الأساس وأعمارهم تتراوح ما بين 16-21 سنة.

لذلك، ذكرت للطلاب إن سبب الإستبيان تطوير تدريس الرياضيات، وهو ما اريده بالفعل. فلو أخبرتهم سبب الإستبيان “إستكشاف إنقسامهم في الفصول الدراسية” فسيكون هناك خطر تغيير أجاباتهم لاعتقادهم إن إدارة المدرسة أو المعلم يرغبون بالسيطرة على حياتهم. وهذا ما أشارَ اليه بوضوح كل من فيليب لاندير وتوماس يوهانسون في كتابهم “مجموعات المراهقين في النظرية والممارسة”. وعلى أي حال، بنيت الاستبيان ليكون أشبه بشبكة العنكبوت.

شاركَ في الإستبيان 14 ولد و13 فتاة في مادة الرياضيات 4 في برنامج العلوم، وولدان و9 فتيات في مادة الرياضيات 1 في برنامج التمريض. يظهر الإستبيان تفضيل 85% من الطلاب في برنامج العلوم و83% من الطلاب في برنامج التمريض العمل بشكل فردي. ويظهر الإستبيان ايضًا تفضيل فقط 37% من الطلاب في برنامج العلوم و25% من الطلاب في برنامج التمريض العمل في مجموعات مختلطة بين الجنسين.

وتركزت الأسباب بصورة رئيسية في العلاقات الإجتماعية حسب الإستبيان. وجاءَ بعد ذلك الرغبة الشخصية للعمل بشكل فردي. ثم جاءت أسباب اخرى مثل البحث عن الهوية الذاتية “هوية ذكرية/ هوية انثوية” والطبيعة البيولوجية “طبيعة جسم الانسان”.

وهنا لابد ان أشير الى عامل مركزي في الموضوع وهو عدم وجود تعريف في المناهج الحكومية او قانون المدارس او الوثائق السياسية يحدد طبيعة العمل الفردي، فالطلاب بمجرد دخولهم الى الفصول الدراسية يجلسون أوتوماتكيا بمسافات قريبة عن أقرانهم لا تزيد عن 30 سم وهو ما يشكل مجموعات متجانسة حسب الجنس او الأفكار. وبعبارة اخرى، تحول المنهاج الدراسي والمعروف باسم “المنهاج الدراسي 2011 والصادر من وزارة التربية” إلى عامل في نشوء هذه الظاهرة. ومع ذلك هناك أسباب أخرى تتصل بالظاهرة.

يظهر الإستبيان إستخدام الفتيات تكنولوجيا المعلومات “مثل برنامج جيوجبرا” في حل وفهم تمارين مادة الرياضيات 4 أكثر من الاولاد. وهو ما يجعل مستواهن العلمي أعلى من الذكور لان الرياضيات في المرحلة الرابعة، على عكس المرحلة الاولى التي تتناول الجبر حساب اليد او الالة الحاسبة البسيطة، يتمحور حول التفاضل والتكامل ويتطلب بالتأكيد اتقان مثل هذه البرامج للعمل الدراسي وليس للهو.

تبادل الأفكار المتجانسة في مجموعات الذكور ومجموعات الإناث ولدَّ أثار سلبية كخلق فجوة في المعرفة بين الذكور والإناث. ولهذا السبب، وعلى عكس الفتيان، فضل معظم الفتيات في الإستبيان العمل في مجموعات إناث بدلاً من مجموعات مختلطة بين الجنسين. وبعبارة أخرى، تحولت الأثار السلبية الى عوامل أو أسباب أدت إلى إنقسام الفصول الدراسية إلى مجاميع ذكور ومجاميع إناث.

إيهاب مقبل


مقالات الرأي تعبر عن رأي أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس