Lazyload image ...
2017-05-05

الكومبس – مقالات: الصحة والبيئة إشكاليتان مترابطتان وثيق الأرتباط.أكدت ذلك تقارير علمية لمنظمات دولية متخصصة، رابطة بشكل مباشر بين صحة البشر وصحة البيئة،مؤكدة موت نحو 13 مليون شخص سنوياً بسبب العمل أو العيش في بيئة غير صحية. والعالم العربي ليس بعيداً عن هذا الإتجاه، إذ يموت أكثر من نصف مليون عربي سنوياً بسبب التعرض لظروف بيئية غير صحية-بحسب منظمة الصحة العالمية.

لقد أدرك العالم المتحضر، منذ عقود، أهمية مراعاة ترابط الصحة العامة بحالة البيئة في البلد، ولمست مؤسساته عن قرب أنه كلما كانت البيئة،التي يعمل ويعيش فيها الناس،خالية من التلوث وبعيدة عن العوامل المؤثرة والضارة بصحة الإنسان،ضمن جهود الإصحاح البيئي، كلما كانت صحة المواطنين أفضل، وتستطيع الدولة ضمان سلامة صحتها العامة ووقايتها من المخاطر البيئية،المباشرة منها- الناجمة عن الملوثات الكيميائية والإشعاعية والبيولوجية،وغير المباشرة- كالسكن والعمل والمواصلات ومجمل عوامل التنمية الحضرية، التي تؤثر حالتها سلباً أو إيجاباً على البشر جسدياً ونفسياً وإجتماعياً وثقافياً..

بإعتماد هذه الوجهة العلمية السليمة، حققت الدول المتقدمة إنجازات باهرة في مجالات الصحة والبيئة والتنمية المستدامة.وقد شجعت نتائجها المتحققة وتطورها المتواصل العديد من العلماء والخبراء المختصين في الوطن العربي، فأطلقوا دعوة للحكومات العربية،خاصة عقب الحروب المدمرة التي نشبت في المنطقة وفاقمت الأوضاع الصحية والبيئية،داعية إياها للإستفادة من خبرة وتجارب الدول المتطورة لمعالجة المشكلات القائمة، وإعتماد الإدارة البيئية الحديثة،وبضمنها العمل الجماعي المشترك الأساس في معالجة المشكلات،عبر التعاون والتنسيق وتوحيد جهود كافة المؤسسات المعنية في الدولة والمجتمع، في إطار أستراتيجيات وخطط وبرامج مدروسة، تنهض بتنفيذها على مراحل،وفق منظور طويل الأمد ينتشل البيئة والصحة العامة من واقعهما الراهن ويتصدى للتحديات المستقبلية..

أخيراً، وبعد طول إنتظار،إعتمد مجلسا وزراء الصحة والوزراء المسؤولين عن شؤون البيئة في الوطن العربي مبدأ العمل المشترك، فعقدا في 2/3/ 2017،أول إجتماع مشترك لهما، شارك فيه بالأضافة الى وزراء الصحة والبيئة العرب ممثلون عن منظمة الصحة العالمية والمركز الإقليمي لصحـة البيئة، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والمكتب الإقليمي لغرب آسيا.

وبحث الإجتماع، الذي عقد في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة، سبل التصدّي للمخاطر البيئية وتأثيراتها الصحية في المنطقة العربية، واتخاذ الإجراءات المناسبة للحد منها وتخفيف آثارها السلبية على صحة الإنسان.ودعا المجلسان الى تضافر جهود وزارات الصحة والبيئة، واعتماد الاستراتيجية العربية للصحة والبيئة (2017- 2030) من اجل التقليص والوقاية من الأمراض غير المعدية/غير السارية، وحماية المجموعات السكانية الأكثر تعرضا للمخاطر من الأمراض ذات الصلة بتلوث البيئة.وحثا حكومات الدول العربية على تنفيذ تلك الاستراتيجية. وكلف المجلسان الأمانة الفنية لكل منهما بمخاطبة المنظمات الدولية المتخصصة، كمنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ومكاتبهما الأقليمية، لتقديم الدعم اللازم للدول العربية لتنفيذ الاستراتيجية،التي تهدف إلى تكثيف جهود الدول العربية لتقليص عبء المرض والعجز والموت المبكر الناجم عن المخاطر البيئية، وكذلك تنسيق أنشطة جامعة الدول العربية ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لدعم هذه الجهود بهدف تقليص الأمراض السارية ذات الصلة بالبيئة ومكافحة المخاطر البيئية المسببة للأمراض غير السارية والإصابات وحماية المجموعات السكانية الأكثر تعرضا للمخاطر (الأطفال والنساء وكبار السن) من الأمراض ذات الصلة بالبيئة، إلى جانب زيادة مرونة القطاع الصحي والقطاع البيئي وتعزيز قدرتهما علي التأهب للطوارئ والاستجابة لمقتضياتها، وذلك في اطار تنفيذ الالتزامات الدولية لأهداف التنمية المستدامة 2030 الخاصة بالهدف الثالث وهو ضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار.

وأقر الاجتماع المشترك إنشاء المنتدى الوزاري العربي للصحة والبيئة، وحث الدول العربية الأعضاء على المشاركة في الاجتماعات الدورية لهذا المنتدى على المستوى الوزاري، كل عامين، وعلى مستوى الخبراء كل عام.

في الواقع، طرح الإجتماع المشترك، الذي إنعقد للمرة الأولى في تأريخ المجلسين، مهمات اَنية وملحة، لكن أغلبها ليس جديداً، وإنما نوقش خلال 47 دورة لمجلس وزراء الصحة و 28 دورة لمجلس الوزراء المسؤولين عن شؤون البيئة، وكل مجلس وضع،على إنفراد، حلوله للمشكلات التي تخص وزاراته. بيد ان معظم الحلول يقي حبراً على ورق، ولم تجر لها متابعة جدية ، ولم يتوقف أحد عند الأسباب التي عطلت تنفيذ المهمات،ومن بينها ما لا يمكن تحقيقه بجهود وزارة واحدة مهما إمتلكت من إمكانات، وإنما يستلزم تظافر جهود مؤسسات عديدة،الى جانب إمتلاك الخبرة والكفاءة.ولعب الفساد الإداري والمالي دوره. ولم يكن نجاح الحلول مضموناً لعدم  توفر الشروط الإقتصادية – الإجتماعية والثقافية والسياسية والقانونية المطلوبة..

ان ضعف العمل الجماعي المشترك،وإعتماد كل مجلس على جهود وزاراته بمفردها، جعل أغلب دورات المجلسين ان تقع أعمالها تحت سيطرة الروتين والآليات النمطية التي ترسخت الى حد التكرار. ولم تحقق نتائج إيجابية تذكر. وإقتراناً بذلك،إتسم عمل العديد من الوزارات المعنية بمواقف مرتجلة ومتخبطة وحتى غير مسؤولة، بنتيجتها تحولت الكثير من المشكلات البيئية والصحية الساخنة في بلدانها الى مزمنة، وبقيت لليوم دون معالجة جدية رغم تداعياتها الوخيمة على الدولة والمجتمع. والأدهى إتخاذ بعضها مواقف سطحية ولاأبالية تجاه مشكلات خطيرة، كالتلوث الإشعاعي الناجم عن إستخدام أسلحة اليورانيوم في حربي 1991 و 2003، وما سببه من مئات اَلاف الإصابات والوفيات السرطانية والولادت المشوهة..ومما شجعها وقوف الأطراف العربية المعنية الأخرى موقف السكوت والتفرج وكأن الأمر لا يعنيها..

وكل ذلك إنعكس على المشكلات والمهمات المطروحة للمعالجة بنتائج سلبية جسيمة،حتى ان الإعلان الوزاري حول الصحة والبيئة بالمنطقة العربية،الذي اعتمده الاجتماع المشترك،عبر عن القلق البالغ حيال بعضها، كالتدهور والتلوث البيئي اللذان يسهمان مباشرة في ارتفاع نسبة معدلات الوفيات والمرض فيها، موضحاً بأن المخاطر البيئية مسؤولة عما يقرب من 24 في المئة من العبء الإجمالي للأمراض بالدول العربية، الذي يتضمن أكثر من 620 ألفا من الوفيات سنويا، وكذلك خسائر اقتصادية تزيد على الـ 90 مليار دولار أمريكي.

من جهتها، كشفت القمة الحكومية العالمية 2017 عن أرقام مخيفة أخرى:

* يعيش حالياً 30 مليون عربي تحت خط الفقر.وشهد العامان الأخيران زيادة  8 % في معدلاته.

* تفاقم الأمية، حيث لا يجيد 57 مليون عربي القراءة والكتابة.ولم يلتحق هذا العام 13.5 مليون طفل عربي بالمدرسة .

* شكل العرب 75 % من اللاجئين عالمياً .

* بلغت حصة العرب 68 % من وفيات الحروب عالمياً .

* تم تشريد 14 مليون عربي.وبلغت الخسائر البشرية 1.4 مليون قتيل وجريح، وحصل تدمير بنية تحتية بقيمة 460 مليار دولار- خلال الأعوام 2011-2017..

حيال هذا،وبعيداً عن التشاؤم،نعيد التذكير بحقيقة ان النوايا الحسنة وحدها لا تحقق المهمات التي طرحها الإجتماع المشترك لمجلسي وزراء الصحة والبيئة العرب بشأن المشكلات البيئية والصحية القائمة، وإنما تُحققها وبنجاح الجهود الجماعية المشتركة،الجدية والدؤوبة، للمؤسسات المعنية في الدولة والمجتمع،وفي مقدمتها وزارات:الصحة، البيئة، العلوم،التربية، التعليم العالي،الثقافة، الصناعة،الزراعة، الدفاع، وغيرها، بالتعاون الوثيق مع مراكز الأبحاث ذات العلاقة.ويكون النجاح مضموناً عند إشراك جميع المؤسسات المعنية في دراسة ورسم الخطط والإجراءات، ووضع برامج قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد،عبر لجان متخصصة. ومن الضروري جداً الإستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المضمار. وإستطراداً، لابد من إعتماد المتابعة والمراجعة الدورية الجدية،كل عام أو عامين، لما أنجز وما لم ينجز، والعمل على تلافي النواقص والمعوقات في أوانها،الى جانب محاسبة المقصرين..

. كاظم المقدادي

 كاتب وأكاديمي