Lazyload image ...
2015-11-24

الكومبس – مقالات: وأخيرا وصلت إلى السويد، نعم أنا الآن في السويد بلد الحريات والديمقراطية والمساواة البلد الذي يوفر الحقوق الإنسانية للجميع دون فرق، بعد رحلات الموت والمجازفة والمخاطرة والرعب ( الحديث عنها يطول والجميع أصبح يعرف أغلب تفاصيلها )، لكن هل هذا يكفي للتخلص من الحياة البائسة المظلمة التي كنت أعيشها سابقا؟

أنا فلسطيني بدون وطن، بدون حقوق المواطنة في أي مكان، وصلت إلى السويد مع عائلتي بتاريخ 12 سبتمبر 2014 باحثا عن مستقبل لأطفالي، قدمت طلبا للجوء وتم تسجيله بتاريخ 14 سبتمبر 2014 وأنا واثق أنني سأجد مرادي هنا، فقد اطلعت على تفاصيل إتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 وبروتوكول 1967 الخاصين بوضع اللاجئين، وتيقنت أني معني بالحماية والحق في إعادة التوطين في بلد يعمل بقوانين الحماية واللجوء وفقا للمواثيق الدولية، ولكن ماذا بعد؟

أذكر أولا أن اتفاقية الأمم المتحدة تنص في بدايتها على أنه لجميع البشر دون تمييز حق التمتع بالحقوق والحريات الأساسية، وتنص في الفقرة الثانية من المادة الأولى أنه من لا يملك جنسية فهو لاجئ، (إذا أنا لاجئ).

والفقرة (د) تنص على أنه لا تنطبق هذه الاتفاقية على الأشخاص الذين يتمتعون حاليا بحماية أو مساعدة من وكالات أو هيئات تابعة للأمم المتحدة غير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ( إذا أنا ما زلت لاجئ). فقد قدمت لوكالة الهجرة السويدية وثيقة أصلية صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ( UNHCR ) تفيد بأنني لاجئ وبحاجة للحماية, وليس وكالة الأنروا لأني لم أحصل على شيء منها منذ ولادتي لأن الأونروا لا تعمل في ليبيا أصلا, ولم أتحصل على وثيقة سفر ليبية لأن القانون الليبي لا يسمح لي بذلك.

وتنص في المادة الثالثة على عدم التمييز والنص هو: تطبق الدول المتعاهدة أحكام هذه الاتفاقية على اللاجئين دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو بلد المنشأ، ( إذا لدي الحق كغيري من البشر الذين هم بحاجة للحماية أن أستفيد من بنود هذه الاتفاقية بالحصول على الحماية وإعادة التوطين ).

كما ورد في المادة 25 في الفقرة الأولى ما يلي: تتعهد الدول المتعاقدة بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ….. إلخ. ويفهم منه ان الدول المتعاقدة تثق بالتقييمات الصادرة عن هذه المفوضية. ( إذا لا شكوك في تقييمي على أنني لاجئ وبحاجة للحماية ).

كما أنه إذا نظرنا إلى قانون الأجانب المعمول به في السويد فإننا نجد في (  kap 4) في الفقرة الأولى والثانية أن عديمي الجنسية مصنفين كلاجئين وبحاجة للحماية.

وفيما يتعلق بمنح أو رفض تصريح الإقامة فإننا نجد في (  kap 5) الفقرة الأولي أنه يمنح تصريح الإقامة الدائمة للاجئ الذي هو: ………….. أو عديمي الجنسية ويستثنى منهم من يتحصلون على مساعدة أو دعم من منظمات أو وكالات دولية. (إذا سأحصل على الإقامة الدائمة والحق في إعادة التوطين ). فأنا لم أحصل أبدا على أي مساعدة أو دعم من أي منظمة أو وكالة دولية منذ ولادتي، وكذلك جميع أفراد عائلتي.

ولكن المفاجئة الصادمة التي حصلت عندما أرسلت لي المحققة برسالة تفيد بأنها تدرس إمكانية منحي إقامة مؤقتة وفقا لقانون الأجانب (   kap 5. 11§…). مع العلم أن هذا البند ينص على منح تصريح إقامة مؤقتة لمدة سنة واحدة بسبب وجود عائق مؤقت.

الغريب في الأمر أن هذا البند يطبق على مواطنين لديهم وطن، بمعني أشخاص يحملون جنسية بلد ما وهم مواطنين في بلدهم ولكن يوجد عائق مؤقت يحول دون ترحيلهم إلى بلدهم، كأسباب صحية مثلا أو حالة إنسانية طارئة ولكنها مؤقتة. أي أنه بمعنى ضمني رفض لطلب اللجوء والحماية لأن مقدمه ليس لاجئا وليس بحاجة للحماية لكن يتم تأجيل الترحيل لحين زوال هذا العائق المؤقت، ويمكن إلغاء تصريح الإقامة في أي وقت تتمكن فيه السلطات من تنفيذ الترحيل لبلد ما تقبل هذا الشخص. (جدير بالذكر أني وأقاربي فقدنا وطننا في عام 1948 , ولا أعتقد أن ذلك عائق مؤقت بل هو دائم)

بصراحة أنا لا أفهم ما يحصل. السويد تمنح تصاريح الإقامة الدائمة لعشرات الآلاف سنويا لأشخاص لديهم وطن ويمكنهم العودة إلى وطنهم في أي وقت يشاؤون، كما أن بعضهم كانوا مقيمين بصورة اعتيادية لسنوات طويلة في بلدان غير بلدانهم إلا أنهم يحصلون على الإقامة الدائمة وإعادة التوطين لمجرد أن بلدانهم الأصلية تعاني أوضاعا صعبة، ولا تفكر وكالة الهجرة السويدية أبدا في إمكانية ترحيلهم إلى البلدان التي كانوا يقيمون فيها بصورة اعتيادية ولسنوات طويلة.

إذا أين هي المساواة بين البشر في الحقوق الإنسانية وأين هو البند الثالث من ميثاق الأمم المتحدة وأين هي القوانين المحلية والقوانين الدولية التي تقوم السلطات بغض النظر عنها لمجرد أن الأمر يتعلق بعائلة وأطفال فلسطينيين ليس لديهم وطن.

قال لي أحدهم أن ذلك قد يكون للحفاظ على الوجود الفلسطيني وحق العودة للوطن، هذا جيد ولكن معناه أن يتم دراسة إمكانية ترحيلي إلى بلدي الأصل إلى مدينة طبريا في فلسطين التي أصبحت تسمى إسرائيل ويتم التواصل مع السلطات الإسرائيلية لكي تستقبلني، وليس ليبيا التي مزقتها الحرب الداخلية ويغيب عنها الأمن وينتشر فيها السلاح بشكل عشوائي في كل مكان حيث أصبح متاحا للجميع، كما أن وكالة الهجرة السويدية وضعت تقييما بتاريخ ( 09 فبراير 2015 ) يصف الوضع العام في ليبيا ويؤكد على أنه لا يوجد مكان آمن في ليبيا. وذكرت أن الحكومة الليبية ترفض عودة أي فلسطيني إليها. مع العلم أنه حاليا يوجد أكثر من حكومة في ليبيا. فكيف تفكرون في إرسالي مع أطفالي إلى هناك. كما أنه وجب التذكير بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948 الفقرة رقم 11 بضمان حق عودة الفلسطينيين إلى فلسطين وليس لمكان آخر, وإلى الآن لم يصدر أي شيء يلغي هذا القرار, لذلك لا يجوز ترحيلي إلى بلد ليس وطنا لي. إما الذهاب إلى وطني بفلسطين أو البقاء هنا.

مما يحبطني عادة أنه عند سؤال أحد السياسيين عن وضع الفلسطينيين، نلاحظ أولا ملامح الاستياء والضيق على وجهه وكأننا نتحدث عن شيء بغيض لا يرغبون في ذكره وتكون الإجابة دائما غير واضحة وغير مفهومة وتستخدم تعابير لا تقدم أي إجابة للسؤال مثل ( هذا الأمر معقد أو وضع الفلسطينيين صعب أو السياسة قاسية أحيانا أو نحن نعمل وفقا للقوانين …….إلخ)

إذا لماذا وضعت قوانين ووقعت اتفاقيات بخصوص حماية اللاجئين إذا كانوا لا يريدون العمل بها مع الفلسطينيين؟ هل يكذب السياسيين على المجتمع وعلى الرأي العام عندما يضعوا قوانين ولا يعملوا بها؟ لماذا لا يضعوا قانونا واضحا وصريحا ومعلنا ينص على أن الفلسطيني الذي فقد وطنه لا يحق له الحصول على الحقوق الإنسانية الأساسية كغيره من البشر؟

عليه فأنا افهم الآن أنه لمجرد أنني بدون وطن أصبحت مخلوقا غريبا لم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد نوعه إذا كان إنسانا أو شيء آخر ليتمكنوا من دراسة نوع الحقوق التي يمكن أن يمنحوني إياها، لأنهم إذا تيقنوا أني إنسان سيمنحونني الحقوق الإنسانية سالفة الذكر وفقا للقوانين المحلية والدولية.

ولكن في نهاية الأمر يجب أن اتذكر أنه مجرد منحي الحق في تقديم طلب الحماية واللجوء هو أمر أشكر عليه السلطات والمجتمع السويدي لأنه ليس لدي الحق في ذلك في بعض البلدان الأخرى, كما أنني تعودت طيلة حياتي أن أبقى جانبا بعيدا عن الحقوق والمزايا التي تمنح للآخرين لمجرد أنني بدون وطن, وأحمل المسؤولية للمجتمع الدولي الذي تسبب في هذه الحياة البائسة التي أعيشها.

كما أتمنى أن يتم ترقيتي لمرتبة الانسان لأعيش كباقي البشر أو أن أغادر هذه الحياة المظلمة.

 

محمد فراس

مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن الكومبس.

Related Posts