Lazyload image ...
2015-06-26

الكومبس – منبر: مرة أخرى يفشل زعماء الاتحاد الأوروبي في آخر اجتماع لهم استمر حتى الساعات الأولى من صباح اليوم الجمعة، في الاتفاق على نظام حصص إلزامي فيما بينهم لتوزيع اللاجئين على بلدانهم، واستعاضوا بدل عن ذلك باتفاق على خطة طوعية لرعاية  60 ألف لاجئ تستثني المجر وبلغاريا.

ومرة أخرى تظهر بشكل واضح سياسة الاتحاد الأوروبي الكارثية في التعامل مع مأساة اللاجئين، في عدم اتخاذ إجراءات حازمة وجدية توقف أو تحد من كوارث قوارب الموت، التي تتسبب بموت الآلاف شهريا بل ربما أسبوعيا، حيث وصل مجموع ضحايا محاولات الوصول من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى ضفته الشمالية حوالي 1200 شخص، لاقوا حتفهم في الأيام العشرة الأخيرة فقط. أغلب هؤلاء الضحايا هم من سوريا وارتيريا والصومال.

تكرار حوادث الموت الجماعي في رحلة اللجوء إلى الشواطئ الأوروبية، أصبح يتعدى الفشل السياسي إلى فشل أخلاقي واضح.

أما الاتفاق الذي توصل إليه الزعماء الأوروبيين قبل عدة أشهر، والذي تم التوافق من خلاله على عشر نقاط تهدف إلى تعزيز عمليات الإنقاذ، وقمع تهريب البشر وتوزيع عبء تقبل اللاجئين، اثبت أنه اتفاق اطاري يحتاج إلى سلسلة اتفاقات ملحقة لتنفيذه، خاصة بما يتعلق بتوزيع “العبء” ضمن حصص ملزمة، بعد أن عاد الحديث عن تقاسم قائم على الطوعية والمسؤولية، حسب تصريح أمس لرئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك، أعرب فيه عن أمله في أن تتمكن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى تفاهم حول تقاسم قائم على الطوعية والمسؤولية”.

ولكن حتى تنفيذ الخطة غير الملزمة في توزيع الحصص التي اعلن عنها صباح اليوم، مازال يواجه عقبات. ويتعين الاتفاق على معايير توزيع المهاجرين على الدول الأعضاء بحلول نهاية يوليو تموز.

تفاقم مأساة اللاجئين، واحتمال تدفق المزيد منهم، تحول إلى واقع يحرج أوروبا ويكشف عن تناقض بين ما هو معلن عن مبادئها الإنسانية وعن قوة مواقفها السياسية، وبين ما هو ملموس ومشاهد من اختراقات لهذه الإنسانية وامتحانات لفشل تأثير القوة الأوروبية دوليا خاصة في قضايا الشرق الأوسط، ليس فقط في فشل استيعاب أعداد اللاجئين المتواضعة بالنسبة لأعدادهم الضخمة في جوار الدول المنكوبة بالحروب، بل أيضا في المساهمة الأوروبية بوقف نزيف هذه الحروب التي تنتج اللاجئين والجرحى والقتلى والدمار والأمراض والخراب البيئي.

ووفقا للأرقام الإحصائية لا تزال أعداد اللاجئين القادمين إلى أوروبا متواضعة بالنسبة لدول أخرى مثل تركيا ولبنان والأردن فقد قام في العام الماضي حوالي 626000 شخص بتقديم طلبات لجوء في دول الاتحاد الأوروبي، جزء منهم وصل عن طريق القوارب، ما يقارب نصف هذا العدد، حصلوا على اقامات. السويد منحت العام الماضي 31000 طالب لجوء الاقامات، ألمانيا كان لها الحصة الأكبر ومنحت 41000 إقامة، فيما كان نصيب فرنسا 13000 إقامة وبريطانيا فقط 11000 إقامة.

الموقف الأوروبي الآن يشبه موقف المتفرج، وفي أحسن الأحوال الباحث عن تضامن داخلي لمواجهة الأسوأ، هذا فيما تزداد المأساة على ضفة المتوسط الأخرى تفاقما، وتزداد أيضا معدلات موت اللاجئين غرقا، حيث وصل معدل الضحايا هذا العام مقارنة بالعام الماضي 2014 إلى عشرة أضعاف.

ما هو مفتقد حاليا وبشكل واضح، هو موقف أوروبي قوي ومستقل عن الموقفين التقليديين لروسيا والولايات المتحدة، طالما أن هذين القطبين لا يتحملان عبء أو توزيع عبء اللاجئين، بل على الأقل هما القطبان المستفيدان من بيع الأسلحة وتوزيع المصالح بينهما ضمن لعبة شطرنج النفوذ، حيث لا تزال أوروبا إلى الآن، كما يبدو، مجرد حجر على رقعتها.

أوروبا الجبانة وأن بقيت كذلك تهادن وتبحث عن توازنات عبثية خارجيا، وتبني توافقات تضامنية هشة داخليا، هي من يدفع الثمن، فالعالم هذه الأيام قرية صغيرة، وما يحدث اليوم في سوريا أو العراق أو ليبيا أو اريتيريا أصبح شأنا يجب أن يعني أوروبا كما يعني روسيا وأمريكا أو حتى أكثر.


د. محمود صالح آغا