Lazyload image ...
2012-10-22

تظهر الوقائع في سورية عجز أي من الأطراف المتصارعة على حسم الصراع عسكريا. وتكاد تنعدم أفق أي حل سياسي. وتحصد آلة القتل عشرات السوريين يوميا، ويحل الدمار بالبنية التحتية. وتزداد المخاوف من الانزلاق في حرب أهلية، قد تسفر عن تقسيم البلاد على أساس طائفي أو إثني. ويبدو أن تعثر حل الأزمة أو عدم حسمها يصب أولا وأخيرا في مصلحة إسرائيل.

تظهر الوقائع في سورية عجز أي من الأطراف المتصارعة على حسم الصراع عسكريا. وتكاد تنعدم أفق أي حل سياسي. وتحصد آلة القتل عشرات السوريين يوميا، ويحل الدمار بالبنية التحتية. وتزداد المخاوف من الانزلاق في حرب أهلية، قد تسفر عن تقسيم البلاد على أساس طائفي أو إثني. ويبدو أن تعثر حل الأزمة أو عدم حسمها يصب أولا وأخيرا في مصلحة إسرائيل.

ورغم جهود المبعوث الأممي العربي الأخضر الإبراهيمي، وجولاته المكوكية فإنه لم يستطع حتى كتابة هذه السطور التوصل إلى هدنة مؤقتة في أيام عيد الأضحى المبارك، أو طرح خطة لوقف الاقتتال الدائر في سورية.

ويبدو، للأسف، أن أيام العيد هذه سوف تكون الأقسى بين الأعياد الثلاثة التي شهدتها سورية منذ اندلاع الاحتجاجات ضد حكم الرئيس بشار الأسد منتصف مارس/آذار 2011. وسوف يعجز السوريون مرة أخرى من زرع بسمة على شفاه أطفال أتعبتهم أصوات المدافع ومناظر الدم والدمار في معظم مدن وأرياف سورية.

السوريون الخاسر الأكبر..

ولعل الخاسر الأكبر من طول الأزمة السورية وعدم الحسم فيها هو الشعب السوري مع أكثر من ثلاثين ألف قتيل، وهو عدد مرشح للارتفاع، ومئة ألف جريح، ومثلهم أو أكثر من المعتقلين، وأكثر من سبعمئة ألف لاجئ، ومليوني نازح داخل البلد. وخسر كثير من السوريين بيوتهم التي شيدوها بعد جهود سنوات طويلة، وتقدر مؤسسات حجم الأبنية المدمرة في سورية جراء استمرار الصراع المسلح بأكثر من مليونين ونصف مليون من البنية السكنية والمدارس، والمشافي والمستوصفات الطبية وغيرها. وأشارت تقارير إلى أن حجم المبالغ المطلوبة من أجل إعادة اعمار سورية كما كانت عليه قبل انطلاق الاحتجاجات يناهز 200 مليار دولار، بعدما ضربت البنية التحتية للنقل والمواصلات وقطاع نقل النفط وغيرها، ورغم أن تقارير أخرى تتحدث عن 60 مليار دولار فإن هذا الرقم كبير جدا وهو أكبر من الناتج المحلي الإجمالي لسورية.

وتتعمق المأساة مع اقتراب فصل الشتاء البارد في ظل عدم توفر أماكن مناسبة للسكن للنازحين واللاجئين، أو حتى سكان كثير من الأحياء التي تضررت فيها شبكة المياه والكهرباء والاتصالات، ويسكن بعض منهم في بيوت نصف مدمرة تحطمت آثاثها وأدواتها المنزلية أو نهبت. وإضافة إلى توقعات بشتاء قاس بسبب عدم توفر المحروقات فإن البلاد تتهددها مجاعة حقيقية في ظل عدم تموين كثير من الأسر احتياجاتها للشتاء، وتراجع الانتاج الزراعي والحيواني بفعل انعدام الأمن وتعطل دورة الانتاج في كثير من الأرياف بفعل المعارك والعمليات العسكرية، ويضاف إليها عامل مهم وهو ارتفاع معدلات الفقر في شكل كبير مع تعطل الأعمال الخاصة إذ أن كثيرا من العمال في القطاع الخاص توقفوا عن العمل منذ بداية الأزمة وصرفوا جميع مدخراتهم.

ومع انشغال الجيش وقوى الأمن في محاربة المعارضة، برزت عصابات مسلحة إجرامية بهدف جمع الأموال والاستفادة من هذه الحالة فزادت عمليات السرقة والنهب، والخطف بهدف طلب الفدية في مختلف أنحاء المدن السورية، ولم يقتصر الأمر على المدن والأحياء "الثائرة" بل امتد إلى المناطق الموالية بتشكيلات من داخل هذه المناطق أو خارجها. وتقدر تقارير أعداد المخطوفين في سورية بأكثر من أربعة آلاف شخص، لكن هذا الرقم لا يعتبر نهائيا لأن كثيرين لا يعرفون مصير أهاليهم وأسرهم بعدما تفرقوا في أنحاء سورية والخارج، إضافة إلى أن آخرين يرفضون الخوض في حديث اختطاف أقربائهم وأصدقائهم خوفا على حياتهم من القتل.

تاريخ سورية عرضة للدمار ومستقبلها في خطر..

وليس من باب الترف الحديث عن الدمار الهائل الذي لحق بالمواقع الأثرية جراء عمليات القصف والمعارك بين القوات النظامية والمعارضة المسلحة. فمع اشتداد القتال في حلب تعرض سوقها الأثري للحريق والدمار، وأصاب جامعها الكبير أضرار جسيمة، ولا يقتصر ذلك على حلب بل في كثير من قلاع القرون الوسطى. وتضررت مساجد وكنائس تاريخية. واستغلت عصابات تهريب الآثار تردي الأوضاع الأمنية لتنقل ألوف القطع الأثرية النادرة إلى بلدان الجوار. مما يعرض تاريخ سورية وتراث جميع الشعوب التي عمرت هذا البلد للضياع والتلف.

وأتت الحرائق على غابات تحتاج إلى مئات السنين من أجل عودتها إلى حالتها السابقة.

تآكل القدرات الدفاعية السورية..

خسر الجيش السوري كثيرا منذ تحول الاحتجاجات السلمية إلى مسلحة، ومع ازدياد تسليح المعارضة من أطراف خارجية، وتطوير وسائل قتالية من قبل أفراد الجيش الحر ازدادت الخسائر. وتبث شبكات التلفزة ومواقع الانترنيت صورا لمدرعات وآليات ودبابات مدمرة. كما استطاعت المعارضة المسلحة اسقاط عدد من الطائرات والمروحيات في الشهور الأخيرة بوسائط الدفاع الجوي القديمة أو صواريخ محمولة على الكتف هربت من الخارج. وسيطرت قوى المعارضة على أكثر من ثكنة عسكرية ومخازن للصورايخ والذخيرة، واستهدفت مدرجات كثير من المطارات لتعطل طلعاتها الجوية.

وفيما يقول المعارضون إن الشعب السوري الذي عانى طوال عقود من أجل تسليح الجيش يقتل اليوم بهذا السلاح الذي جمعه على حساب قوته وحياته الكريمة. فإن النظام يتحدث عن مؤامرة خارجية من يستهدف دور سورية الممانع والمقاوم. ومع اشتداد المعارك وازدياد الخسائر في المعدات العسكرية فإن قدرة سورية الدفاعية سوف تضعف بدون أدنى شك. وفي حال انتصر النظام فإنه بحاجة إلى إعادة تسليح الجيش وإعادة تأهيله للقتال ضد أهداف عدوة خصوصا أنه قضى شهورا طويلة في معارك داخلية تؤثر في عقيدته القتالية، وتسبب مشاكل في المستقبل. وفي حال انتصار المعارضة فإن المخاوف تكمن في تكرار أخطاء العراق بحل الجيش، رغم صدور بيانات عكس ذلك، كما أنها تحتاج إلى إعادة تسليح الجيش وبسط سيطرته على كامل التراب السوري لحماية الحدود، واقناع الجماعات المسلحة بترك سلاحها أو الانضمام إلى قوى الأمن والجيش، وهي أهداف صعبة التحقق وأوضح دليل على ذلك ما يجري في ليبيا حاليا.

مخاطر التقسيم على أساس إثني وطائفي

تتبادل المعارضة والنظام الاتهامات بمحاولات ضرب السلم الأهلي في البلاد، ما يفتح على إمكانية تقسيم سورية إلى كيانات على أساس طائفي وإثني. وفيما تؤكد الحكومة أن المخطط هو استكمال لاستهداف سورية في إطار مخطط الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي وقفت سورية في وجههة. تقول المعارضة إن قمع قوات الجيش للاحتجاجات، وإصرار النظام على الحل الأمني يفتح على حرب أهلية بمكونات عرقية وطائفية، وأن النظام لن يتراجع ويترك الحكم حتى لو وصل الأمر إلى تقسيم سورية. وتعلو أصوات التحذير من الخارج من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من "جيب علوي" يمكن أن يكون خيار الرئيس الأسد النهائي. ورغم أن هذا الخيار يخالف طبيعة وتاريخ المنطقة فإن مجرد ذكره يبعث مخاوف من "بلقان جديد" في منطقة الساحل والغاب في سورية حيث تتعايش على مدى مئات السنين في هذه المنطقة طوائف دينية إسلامية ومسيحية، وإثنيات مختلفة.

ويبدو الحديث عن كيان مسيحي غير واقعي على خلفية انتشار المسيحيين تاريخيا في جميع أنحاء سورية. وعدم استهدافهم في شكل واضح حتى الآن. إضافة إلى تفهم موقفهم من قبل المعارضة والنظام على حد سواء في الأزمة الحالية، ولعل الأهم هو أنهم كباقي المكونات الدينية في سورية منقسمون بين مؤيد ومعارض. كما ينطبق الوضع على عدم إمكانية ظهور كيان درزي مستقل.

لكن خطر بروز كيان كردي في شمال شرق سورية أكثر من مبرر بسبب الأوضاع الأمنية في تلك المنطقة وقربها من مناطق سكن الأكراد في شمال العراق وجنوب غرب تركيا. وارتفاع صوت تيارات انفصالية من أجل المحافظة على الذات.

ولا يصعب على أي مراقب محايد الانتباه إلى أن السلم الاجتماعي والتعايش بين الأديان في سورية بات مهددا ويصعب على الطرف المنتصر أيا كان معارضة أم نظاما إعادة اللحمة الوطنية والطابع الجميل للفسيفساء القومية والطائفية في سنوات قليلة مع تسجيل حالات نزوح للأرمن والقوقازيين وغيرهم، وزيادة الاحتقان بين المكونات الطائفية في سورية. وتحول شكل تفكير الطوائف من التفكير المنفتح الجمعي إلى التفكير "الأقلوي" مع رغبة كل مكون بالمحافظة على ذاته في ظل صراع مسلح لا يُعرف متى ينتهي. ورغم انقسام أبناء الطوائف بين مؤيد ومعارض للنظام، فإن مخاوف الحرب الأهلية تؤرق كثيرين لامكانية استهدافهم بسبب معتقداتهم فقط، أو مكان اقامتهم. ولا ننسى أن انسحاب الجيش والقوى الأمنية من مناطق كردية، أيا كانت الأسباب والغايات، سوف يضطر الطرف المنتصر إلى خوض صراع سياسي طويل في أفضل الأحوال، أو عسكري، يمكن أن يزهق أرواحا إضافية ويهدد وحدة وسلامة الأراضي السورية.

استمرار الأزمة دون حسم لتدمير سورية…

منذ بداية الحراك الشعبي في منتصف مارس/ آذار 2011، وأحداث مدينة درعا الجنوبية كان واضحا أن المنحى في سورية سوف يكون مختلفا عما سبقه في تونس ومصر وليبيا. وكان من الممكن تقديم نموذج جديد للتغير في العالم العربي. لكن تراكم أخطاء من قبل مجموعة من المستشارين المحيطين بالرئيس الأسد، وإصرار البعض على الحل الأمني أدى إلى تفاقم الأوضاع، وفقدان الثقة مع سكان المحافظة مع زيادة أعداد القتلى. واستغلت أطراف خارجية الأوضاع الداخلية ووجدت فرصتها التي تنتظرها منذ سنوات للانتقام من دور سورية في المنطقة، وسياستها الخارجية التي طالما وقفت عائقا أمام المخططات الأجنبية لإعادة ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط. وتأخرت المبادرات العربية والخارجية كثيرا لوضع تفاقم الأمور في سورية، ومع ازدياد عسكرة الحراك لعوامل تردها المعارضة إلى قمع السلطات المفرط والقتل المتزايد، فيما تعزوها السلطات إلى التآمر الخارجي ارتفع عدد القتلى والجرحى، وازدادت حركة النزوح إلى مناطق أكثر أمنا، أو اللجوء إلى دول الجوار. وبدا أن أطرافا خارجية لا ترغب في حسم الصراع في سورية ووقف الدمار والقتل. فعندما تشعر هذه الأطراف أن المعارضة تحقق انتصارات على الأرض كانت توقف دعمها، وتسعى إلى عرقلة أي حل سلمي من أجل استمرار المعارك في سورية. وتسارع هذه القوة إلى دعم المعارضة عندما يوشك النظام على الانتصار. وفق معادلة تسمح بقط باستمرار القتال دون تحقيق انتصار كامل.

وفي بداية الحراك كانت تأمل السلطات في أن تؤدي الاصلاحات المقترحة إلى وقف الاحتجاجات، لكن ارتفاع سقف مطالب المحتجين، وبروز عامل عدم الثقة مع جنوح فريق إلى الحسم الأمني أدى إلى استمرار الأزمة وانتقالها إلى أماكن أخرى. وبدا في بعض المراحل أن طول الأزمة ربما يسهم في تخفيف حدة الفترة الانتقالية التي عانت منها مصر وليبيا وتونس واليمن، خصوصا في ظل بروز التنسيقيات المحلية وتطور عمل المعارضة الداخلية سياسيا، لكن تحول الأزمة إلى صراع عسكري، وتشرذم المعارضة السياسية، ودخول الأطراف الخارجية بقوة على خط الصراع عوامل باتت تشكل خطرا يزداد بمرور الأيام على سورية الإنسان والتاريخ والوطن والمستقبل، وينذر بانتقال الأزمة إلى دول الجوار.

ابحث عن المستفيد…

يكيل النظام والمعارضة الاتهامات للأخر بتنفيذ مخطط تدمير سورية، ويرى أنصار الرئيس الأسد أن المعارضة تخدم أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل. وتؤكد المعارضة أنه لولا دعم إسرائيل للنظام الحالي لسقط منذ مدة طويلة. وبين هذا وذاك فإن المستفيد المطلق من استمرار الأزمة السورية على هذا الشكل هو إسرائيل. ولو قدر لحكام تل أبيب أن يرسموا مخططا لتدمير سورية لتطابق جزء كبير منه مع ما يجري والتوقعات المستقبلية المطروحة. فتدمير البنية التحتية في سورية تهديد أطلقه ليبرمان منذ سنوات ولوح حينها بإعادة سورية إلى القرون الوسطى. ويعطل انشغال السوريين في إعادة إعمار ما دمرته الأزمة مطالبتهم وقدرتهم على استرجاع الأراضي العربية المحتلة. كما يفتح تفتيت سورية، لا سمح الله، على منح إسرائيل شرعية كدولة يهودية إلى جوار كيانات "علوية" و"مسيحية" و"درزية" وكردية. كما أن غرق سورية في مستنقع الفوضى يثبت ادعاءات إسرائيل بأنها واحة ديمقراطية في وسط عربي متوحش.

سامر الياس

روسيا اليوم