رئيس تحرير شبكة الكومبس محمود آغا
رئيس تحرير شبكة الكومبس محمود آغا
1.8K View

يتميز المزاج السياسي هذه الأيام، بخطاب يستخدم عبارات التشديد والعقاب والتهويل، ويجري التركيز حالياً على المطالبة بفرض كل ما هو أكثر صرامة، وكل ما هو أشد عقابا، فعدا المطالبة مثلا بتشديد تعليمات كورونا نسمع عن اقتراحات ومشاريع قوانين لتشديد قوانين الهجرة، ولتشديد عقوبات جرائم الشبان القاصرين، وبتشديد عقوبات الرجال الذي يعنفون ويخططون لقتل نساءهم.
 فيما يقل الحديث عند التنافس السياسي عن إنقاذ الثقافة والفن والرياضة، وحتى عن التعليم. إلى جانب غياب الحديث السياسي عن دعم المنظمات المدنية التي قد تساهم في وضع حلول بديلة أو على الأقل مساعدة للحلول التي تدعو إلى رفع سقف العقوبات وتشديد القوانين واستخدام أسلوب الترهيب.
هناك غياب ملاحظ للحديث السياسي عن الوسائل الأخرى التي برعت بها السويد والأحزاب السويدية التقليدية سابقا، مثل التحفيز والدعم والتشجيع، وبدل ذلك نجد اليوم وبشكل عام، أن التنافس الحزبي على من يقدم برامج ومقترحات أشد وأقسى من الآخر، وكأن لغة العقاب وتشديد القوانين هي الحل الوحيد، الكفيل بالقضاء على خطر الفيروسات وعلى بطش العصابات.

وكأن هؤلاء السياسيين المطالبين بهذا التشديد وبهذا القمع، يقولون لنا نحن نريد حماية حياتكم وعليكم أن تخافوا وعليكم بالتالي أن تنتخبونا.

الصورة الآن فقط لهؤلاء السياسيين المطالبين بهذا التشديد وبهذا القمع، وكأنهم يقولون لنا: نحن نريد حماية حياتكم وعليكم أن تخافوا وعليكم بالتالي أن تنتخبونا.
اللافت أن بعض هؤلاء المهولين لهذه المخاطر، يحاولون إرجاع كل ما هو سلبي وخطير في المجتمع إلى سبب تزايد الهجرة، في وقت من الأوقات. ويحاولون إثبات فشل الاندماج.
هم يرددون دائما أن معدل انتشار، ليس فقط الجريمة مرتفع في الضواحي، بل أيضا الارتفاع يطال معدلات انتشار كورونا، دون توضيح لماذا تضررت الضواحي دون غيرها بزيادة الفيروسات وبارتفاع معدل بعض أنواع الجرائم؟
لا أحد ينكر أهمية القوانين الرادعة والحزم في تنفيذ التعليمات، ولكن بالتأكيد من المفترض العودة أيضا إلى البحث عن حلول جذرية لظواهر تنامي انتشار كورونا ولمشاكل اجتماعية تعاني منها السويد أصلا، وربما زادت هذه المشاكل بسبب كورونا، مع إصرار اليمين المتطرف على تقديمها كنتيجة من نتائج فشل الاندماج، وإلصاق سبب الفشل باللاجئين والمهاجرين.

فيما يقل الحديث عن التنافس السياسي في إنقاذ الثقافة والفن والرياضة، وحتى التعليم. إلى جانب غياب الحديث السياسي عن دعم المنظمات المدنية التي قد تساهم في وضع حلول بديلة

السؤال الذي يطرحه العديد من المطلعين والسياسيين في الآونة الأخيرة: إلى أين يتجه المجتمع فعلاً؟ الحقيقة التي يجب أن يعرفها هؤلاء الساعين إلى زيادة شعبيتهم على حساب تخويف المجتمع من اللاجئين والقادمين الجدد، هي أن التنافس الحزبي يجب أن يكون على رفع مستوى الثقافة والتعليم لأن الأمر يتعلق بفهم الذات وبفهم الآخرين بشكل أفضل. خاصة أن العديد من المقالات في الآونة الأخيرة تحذر من هجوم تتعرض له الثقافة، وهناك من يقول للحكومة ولوزارة الثقافة تحديدا امنحوا الدعم للمسارح والفنون الأخرى كما تدعمون المطاعم والبارات على الأقل، من هؤلاء الكاتب والفنان جوناس غارديل، الذي انتقد بشكل حاد وزيرة الثقافة أماندا ليند، بعد تزايد أعداد من فقدوا أعمالهم في حقل الثقافة.

اللافت أن بعض هؤلاء المهولين لهذه المخاطر يحاولون إرجاع كل ما هو سلبي وخطير في المجتمع إلى سبب تزايد الهجرة، في وقت من الأوقات، ويحاولون إثبات فشل الاندماج

لا يمكن فصل غياب العامل الثقافي عما يحدث حاليا على الساحة السياسية، لأن الصراع يدور الآن حول القيم السويدية، كما تقول الصحفية Jonna Sima من خلال، استعراضها لطريقة استخدام شرط معرفة اللغة ومعرفة تعاليم المجتمع السويدي للحصول على الإقامة الدائمة، ضمن اقتراح الحكومة لقانون الهجرة الجديد، والذي من المفترض أن يحل محل القانون المؤقت في 20 يوليو.
فالقانون الجديد يقترح وضع هذه الشروط كفرض، يمكن أن يتعارض مع قيم المجتمع السويدي في تقديم الحماية لمن يحتاجونها. وكأن السويد تريد استخدام الثقافة كوسيلة للتأثير على القيم ولكن في منظور طويل الأمد، وفي اتجاه يأخذ منحى التعصب القومي والثقافة المحافظة.
محاولات توجيه المجتمع السويدي نحو التعصب القومي والثقافة المحافظة، ومع أنها محاولات مرفوضة من قبل معظم الأحزاب والقوى ومنظمات المجتمع المدني، إلا أن البيئة الحالية التي خلفتها أزمة كورونا وتصاعد الخطاب اليميني الشعوبوي، قد يزيد من فرص نجاح هده المحاولات.
ما قد يزيد من فرص نجاح اليمين المتطرف بفرض أجنداته أيضا على المجتمع السويدي هو تصرفات بعضنا نحن القادمون الجدد أو القدامى على حد سواء، إحجام بعضنا عن الاندماج لأسباب واهية وفرض العزلة على أنفسنا وعدم التفاعل الإيجابي مع المجتمع، كل ذلك يعد ذرائع يستغلها الآخرين ويعتبرها هدية مجانية له تسهل مهمته.
من المؤسف أن نرى مجموعة من المدافعين عن من يعنف النساء ويقتلهن، من خلال تعليقات سخيفة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن المؤسف أن نرى من يروج لعدم أخذ اللقاح ويساهم في نشر نظريات المؤامرة التي تهدم المجتمعات. ومن المؤسف أن يكون البعض وقوداً للتطرف العنيف وتقويض الثقة في المجتمع.

ما قد يزيد من فرص نجاح اليمين المتطرف بفرض أجنداته أيضا على المجتمع السويدي هو تصرفات بعضنا نحن القادمون الجدد أو القدامى على حد سواء

تحاول مؤسسات حكومية عديدة الوصول إلى كل فئات المجتمع لإيصال المعلومات المجتمعية لها، وعندما يكون السباق مع الزمن على أشده، للوصول إلى هدف تطعيم من 60 إلى 80% من سكان البلاد قبل احتمال وصول وانتشار نسخ جديدة من الفيروس القاتل، نرى وبكل بساطة من ينشر المعلومات المضللة عن اللقاحات وخطرها المزعوم، وذلك لزعزعة الثقة في المجتمع.
السويد كما معظم الدول التي تعتمد الشفافية وتملك إعلاما حرا ومستقلا، لا يمكن للمعلومة مهما كانت أن تختبئ، وما نشاهده من تغطية صريحة وعلنية لمضار محتملة من التطعيم بلقاح معين، لا يمكن أن يُفهم حسب المفسرين “العباقرة” من أصحاب نظريات المؤامرة.
لنساعد من يريد أن يساعدنا وينقذ السويد من خطر وباء الفيروسات ومن وباء العنصرية.

د. محمود آغا

رئيس تحرير مؤسسة الكومبس الإعلامية

Related Posts