Lazyload image ...
2015-09-07

بعض مخيمات ومراكز اللجوء في الدول المجاورة لسوريا بنيت بمساعدات خليجية

الكومبس – مقالات الرأي: وقع أغلب تعليقاتنا ومداخلاتنا الغاضبة، على ما نراه من مناظر موت اللاجئين على الحدود الأوروبية، في شرك سذاجة مقارنة بين مشاهد ومواقف متناقضة تماما، وتحولت سذاجة المقارنات هذه، إلى مادة لعدة مقالات وكتابات من قبل صحف عربية وأجنبية، وكأننا نسينا أو تناسينا، أنها مقارنات لا تملك أي عناصر أو أسس مشتركة.

لماذا لا تستقبل دول الخليج العربية اللاجئين العرب؟ بينما تستقبلهم ألمانيا والسويد وغيرهما من الدول الأوربية؟ سؤال تعزز طرحه مع مشاهد الأوروبيين وهم يستقبلون اللاجئين بالطعام والورود أحيانا، وحملات التبرع بالأموال والمواقف الإنسانية النبيلة من الرياضيين والفنانين والنخب الاجتماعية التي تعاطفت ووقفت مع اللاجئين، ومسيرات التأييد لفتح الحدود، ودموع المسؤولين الأوروبيين التي زرفت أمام الكاميرات وهم يتحدثون عمن سقط في رحلة البحث عن الأمن والأمان في أوروبا…

هذه المشاهد دعت البعض إلى عقد مقارنات مباشرة، بين ما اعتبروه حضارة وإنسانية وأخلاق الأوربيين وتحديدا الألمان وبنسبة أقل السويديين، وبين ما وصفوه بهمجية وقساوة وخذلان الدول العربية والإسلامية. البعض الآخر أعلن تخليه عن أمته تماما وعن أصوله وجذوره، مقابل تمجيد المستشارة الألمانية ميركل وغيرها من الزعماء الأوروبيين.

المقارنة بين ميركل الألمانية أو لوفين السويدي مع أي زعيم عربي آخر، هي مقارنة عبثية بل وساذجة، ليس لأن الألمان والسويديين ملائكة وحضاريين والزعماء العرب شياطين ومتخلفين، بل لأنك لا تستطيع أن تقارن أنظمة حكم مختلفة تماما فيما بينها. ولا يمكنك مقاربة مجتمعات متباعدة ثقافيا حتى الفراق. فالفرق واضح بين دول مدنية تدار بأنظمة حكم ديمقراطية وبين دول يغلب عليها الطابع القبلي والعشائري، منقوصة السيادة وتدار من خلال حكم فردي مطلق أو من خلال عائلة واحدة أو حزب واحد أو عصابة واحدة.

لهذا لا تستقبل دول الخليج اللاجئين العرب

أن تستقبل دول الخليج جزءً من اللاجئين الفارين من سوريا أو العراق، يعني أن تتخلى هذه الدول عن هويتها الحالية، وعن سبب وجودها والمعنى الذي أسست من أجله. ومع أن كرم وشهامة أهل الخليج حقيقة لا يمكن نكرانها، إلا أن ممارسة هذه الأخلاق إلى حد قد يجعل دول الخليج دول لجوء سيصبح حتما خطا أحمرا ممنوع تجاوزه. فالمسموح هو فقط مساعدات محدودة وتحويلات العاملين إلى ذويهم إلى خارج الخليج.

أسباب عديدة أطلقها صحفيون وكتاب خليجيون تركزت على التخوفات الأمنية بالدرجة الأولى ورمي اللوم على المجتمع الدولي الذي لم يستطع إزالة النظام السوري، لكن لم يتطرق أحد إلى السبب الرئيسي والذي هو بكل بساطة: الخوف من تكريث منهج جديد في توظيف الثروة الموجودة في الخليج بغير المجال المحدد لها، وأن تتحد هذه الثروة مع القدرات البشرية العربية، وهذا ما سيفسح المجال لزواج محرم لأنه سينجب نهضة عربية غير مرجوة أو مرحب بها.

هناك من تفاجئ وكأنه لا يعرف عن الفجوة الكبيرة التي تفصل بين دول الخليج ودول القلب العربي، منذ فترة طويلة، وهناك من لا يريد أن يعرف لماذا هذا القلب العربي بمدنه وعواصمه العريقة، مثل بغداد ودمشق والقاهرة والقدس… أما مدمرة أو محاصرة أو محتلة أو مسلوبة الإرادة، بينما تنعم مدن أطرافه الصناعية بالاستقرار والنمو، حتى لو كان هذا النمو هرمونيا، والاستقرار محكوما بإرادات خارجية، وبثروة فائضة جلها يضخ لإنعاش الاقتصاديات الكبرى، وتمويل الحروب، وجزء منها أصبح يتحول من نعمة إلى نقمة على سكان المنطقة كلها.

لا يمكن لأحد أن يلوم أية دولة خليجية لأنها لم تستقبل حتى ولو رمزيا عدد ما من اللاجئين، لأن هذه الدول لها اعتباراتها الخاصة ولها وظائف أخرى، ولا ننسى أن خيوط ملفات عديدة ومنها الأمن الخارجي والاستثمارات الاقتصادية والعمالة الأجنبية كلها ممسوكة من الغرب وخارج سيطرة هذه الدول.

هذا إلى جانب سبب جوهري آخر هو أن استقبال اللاجئين ومنحهم اقامات ومن ثم جنسيات، يعتبر جزء من ثقافة غربية حديثة نسبيا، بدأتها الولايات المتحدة الأمريكية وطبقتها فقط بعض الدول الغربية، بعد الحرب العالمية الثانية على نطاق واسع، ولكي نتعرف أكثر على هذه الحقيقة يمكننا عمل مراجعة بسيطة لتصنيف عدة مجموعات من الدول ضمن واقع استيعاب اللاجئين خاصة القادمين من سوريا والعراق حاليا:

دول الجوار السوري والعراقي:

هذه الدول أجبرت على استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، واستوعبت قسما منهم، خاصة المقتدرين ماديا، بينما أنشأت وبمساعدات دولية مخيمات ومراكز إيواء للأغلبية.

أغلب هؤلاء اللاجئين إلى هذه الدول ينظرون لمتابعة رحلة لجوئهم إلى أوربا أو دول غربية أخرى، فموارد دول الجوار هذه محدودة وتعاني من أزمات اقتصادية، إضافة إلى أن التعامل الرسمي على الأغلب، مع اللاجئين في هذه الدول لا يوفر لهم الأمان والشعور بالاستقرار.

دول عربية غير مجاورة:

استقبلت دول عربية مثل مصر والسودان والمغرب وتونس وغيرها أعداد من اللاجئين السوريين والعراقيين، بنسب مختلفة، بعض هذه الدول خاصة السودان وعلى الرغم من موارده المحدودة فتح حدوده بدون تأشيرات دخول للاجئين، ودول أخرى من هذه المجموعة أصبحت تشدد أكثر على دخول اللاجئين.

جزء كبير من هؤلاء اللاجئين يسعون إلى الوصول أيضا للأراضي الأوروبية، بحثا عن الأفضل، فيما يتعلق بحقوق اللاجئ وإمكانية الاستفادة من قوانين حقوق الانسان في الدول الغربية.

دول الاتحاد الأوروبي الشرقية:

هناك انقسام حاد في أوروبا حول التعاطي مع أزمة اللاجئين، بين دول شرق الاتحاد ودول غربه، كما يوجد تمايز بدرجات أقل بين دول الغرب نفسها، حيث تعرف ألمانيا والسويد بدول الكرم في منح الإقامات، بينما يخف مقياس هذا الكرم في دول الجنوب الفقيرة نسبيا وفي دول أخرى مثل النمسا وسويسرا.

ارتفاع وتيرة العنصرية في دول شرق أوروبا التي كانت بالأمس شيوعية واشتراكية، ظهر على لسان بعض المسؤولين على صورة تصريحات بعيدة كل البعد عن روح التسامح والديمقراطية والإنسانية التي اشاعتها الثورة الفرنسية وتتخذ منها أوروبا منهجا معروفا وسائدا.

هنا تبرز أسباب عدم رغبة بقاء جل اللاجئين في أي دولة من دول شرق أوروبا، وهنا تبرز أيضا أسباب عدم نجاح المقارنة بين أوربا التي يطمح ان يصلها اللاجئون وبين أوروبا التي صدمتهم بتصريحات وممارسات عنصرية وغير إنسانية.

دول الهجرة ما وراء المحيطات:

وهي دول مثل كندا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلاندا، أقدام السوريين والعراقيين وصلت إلى هذه الأراضي التي تعد حلا للعديدين، ولكن كانت هناك صدمات وخيبات أمل تعرضوا لها، بعد حالات من سوء المعاملة وفترات الانتظار الطويلة للبت في ملفاتهم، هذه الدول ملتزمة باستيعاب اعداد قليلة من حصص الأمم المتحدة عن طريق المفوضية، إضافة إلى من يستطيع قطع المحيطات للوصول إلى هذه الدول.

دول أخرى مثل روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق:

على الرغم من مساحة روسيا الشاسعة وحاجتها لليد العاملة، ومشاكلها الديمغرافية، إلا أن تعاملها مع استيعاب اللاجئين لا يزال يبرز سوء الإدارة المتعلقة بملف اللاجئين الذي يغلب عليه الطابع البيروقراطي وإلى حد ما الفساد المتفشي هناك، إضافة إلى العقلية الأمنية السائدة وضعف المنظمات المدنية التي تشجع على استيعاب اللاجئين. روسيا التي أعلنت من فترة عن تسهيلات بمنح جنسيتها لمواطنين أجاب تتوفر لديهم مهارات وقدرات ضمن اختصاصات معينة، منحت فقط 10% من اللاجئين السوريين اقامات مؤقتة بشروط قاسية وبعد إجراءات بيروقراطية معقدة.

إذا لم يبقى إلا دول غرب أوروبا وتحديدا ألمانيا والسويد كجهة آمنة وسالمة للاجئين الباحثين عن مستقبل لهم ولأطفالهم.

لذلك يبقى مقياس استيعاب اللاجئين يختلف من دولة إلى أخرى، ويمكن أن يتناسب مع حضارة الدول وثقافة المجتمعات وأنظمتها السياسية، وحاجاتها أيضا لليد العاملة وخططها الاقتصادية.

نحن المغتربون في بلاد لا تشبه بلادنا في شيء، نعيش وسط شعب لا تجمعنا به إلا روابط الإنسانية والمواطنة نجد أن صقيع منطقة أوروبا وشدة حر منطقة الخليج، أشياء يمكن أن تقارن ضمن علوم المناخ وحالة الطقس، ولكن وللأسف لا نستطيع أن نجد أي مشتركات في علم السياسة والاجتماع يمكن استخدامها في مقارنة مسألة قبول واستيعاب اللاجئين بين دول المنطقتين. فنحن انتقلنا إلى هنا وفق قوانين ظاهرة تاريخية وطبيعية، اسمها “الهجرة واللجوء” والتي تحكمها قوانين الحروب وأعراف السياسة الدولية الآنية، التي لا تعترف للأسف بالعواطف، ولا بروابط ذوي القربى ولا بالولاءات الدينية والعرقية.

د. محمود صالح آغا

هذا المقال ضمن مقالات الرأي وبالتالي ليس من الضرورة أن يتطابق مع رأي شبكة الكومبس

Related Posts