Lazyload image ...
2014-09-02

الكومبس – مقالات : تذكّرتُ، وأنا أقرأ خبرا في الصحافة المحليّة حول قيام الشرطة السويدية بالإبلاغ عن نفسها بسبب أحداث مالمو، نائب الضابط (حسين زغيّر)، الذي جيء به من وحدته العسكريّة في أطراف الناصريّة، ليودع قسم الأحكام الخاصّة في سجن أبي غريب بتهمة الإنتماء إلى (الحزب الديمقراطي الجمهوري الموحّد)!

الكومبس – مقالات : تذكّرتُ، وأنا أقرأ خبرا في الصحافة المحليّة حول قيام الشرطة السويدية بالإبلاغ عن نفسها بسبب أحداث مالمو، نائب الضابط (حسين زغيّر)، الذي جيء به من وحدته العسكريّة في أطراف الناصريّة، ليودع قسم الأحكام الخاصّة في سجن أبي غريب بتهمة الإنتماء إلى (الحزب الديمقراطي الجمهوري الموحّد)!

كانت نشاطات الحركات التحرّرية العالمية في ثمانينيات القرن الماضي، ذات طبيعة فكريّة ساخنة، لا تخلو من العنف، فمن انفصاليي إقليم الباسك إلى الجيش الآيرلندي الجمهوري السرّي، مروراً بالمنظّمات التي كانت تتشكل يوميّا وتنفرط، ضمن حمّى حركات التحرر التي سادت العالم آنذاك، وكان اسمُ الحزب الذي أتهم صاحبنا بالانتماء إليه، حاضراً من بين هذه الأسماء، وبقوّة.

كان سائغاً أن ترد أخبار نشاطات هذا الحزب، مع ما ترد من نشاطات للأحزاب الراديكالية الأخرى، في نشرات الأخبار التي كنّا مُجبرين على الإستماع فيها لإنتصارات الجيش العراقي في (قادسيّة صدّام)، من أجل الإيهام الإعلامي أن العنف هو الذي يحكم العالم. وبالتالي، فإن ما يحصل من نزاع بين دولتين، ليس غريباً إن كان يصبّ في هذا الإتجاه.

ولمّا كانت نشرات الأخبار التي تمتّد من الثامنة مساءً حتّى أجلٍ غير مسمّى، تتخلّلها خطابات تأريخية وعمليات تكريم لضباط الجيش ومراتبه بأنواط شجاعة وما إليه، فقد كان جزءٌ من تأهيل السجناء السياسيين آنذاك، هو إلزامهم بالاستماع لتلك الخُطب، حتّى لو امتدّت لما بعد منتصف الليل.

كان ذلك يجري في القاعات التي تضجّ الواحدةُ منها بألفي سجين أو أكثر، والتي كان ضجيجُها ينتهي ونشرة أخبار الثامنة مساءً، حين يكون محرّماً أن يتحرّكُ أحدٌ من مكانه لغرضٍ ما، حتّى وإن كان (طارئاً)، فالرئيس يتكلّم. أمّا من كان يخالف هذا فقد كان مصيرهُ الجلد والحجر الإنفرادي.

في طرفةٍ قرأتُها في يفاعتي، قيل أن أسداً يحكمُ في غابة، بلغ به جنون العظمةِ أنّهُ طلب من رعاياه من جميع الثدييات، إبداء الولاء لهُ بما يُظهر مدى شدّة الخضوع، فصارت الحيوانات تتبارى فيما بينها لهذا الغرض، حتّى انبرى له أرنب (في رواية أخرى ثعلب، لكنّي أميل للأولى) بالقول: (ها أنا ذا أمامك..كُلني يامولاي!!). محطّما بذلك الرقم القياسيّ في شدّة الخضوع، وحائزاً على شرف المغالاة في إبداء المذلّة.

نائب الضابط المسلكي هذا، كان واحداً من مراقبي القاعات، الذين كانوا قد تقدّموا طوعاً بطلب عند شرطة أمن السجن، بغرض الحصول على شرف مراقبة السجناء أثناء نشرة الأخبار المسائية، ممن كانوا يُمسكون طوال فترة الخطب الرنّانة تلك عن (حرّاس البوّابة الشرقيّة)، أقلاماً وقراطيس، تسجّل فيه أسماء الذين قد يضطرّهم سوء الطالع، للذهاب إلى الحمّامات مضطرّين، أو حتّى الحديث مع آخر أو الإلتفات بغرضٍ ما. وكان قد دخل السجن بتهمة الإنتماء إلى الحزب إيّاه برواية يتداولها نزلاء السجن بتندّر:

(حين يأس المحقق من إلصاق تهمة الإنتماء إلى الحزب الشيوعي، أو حزب الدعوة، بالعسكري حسين زغيّر الذي جيء به بسبب تقرير عن نشاطاتِه المشبوهة، كانت رأسه الذي دارت الخمرةُ به قد تفتّقت عن فكرة أوحتها إليه نشرة الأخبار، وهي أن يوجه لهذا العسكري الشقيّ، تهمة الإنتماء للحزب الديموقراطي الجمهوري الموحّد، باعتبار أن دخول مركز تحقيقات استخبارات (الشعبة الخامسة) ليس مثل خروجه، وإن هنالك مكافأة جزيلة مقابل كل محتجز فيه تثبت إدانته بجريمة سياسيّة، فالبلاد في حالة حرب.

وهكذا رضخ المسكين، بسبب التعذيب، لأمر التوقيع على اعتراف بانتمائه لحزب ليس من وراء تهمة الإنتساب إليه أية عقوبة بالموت، كما أكّد له ذلك المحقق الضاحك (صاحب الصوت الخشن). وجيء بالمسكين إلى أبي غريب مغلول اليدين، ثم زجّ به في إحدى قاعات السجن الكبيرة، لتظهر مواهبه بعد أيّام، ويحصل على لقب (مراقب)، كما اصطلحت عليه إدارة السجن، و (منافق) كما كان الإسلاميون يدعونه، أو (وكيل أمن) كما كنّا ندعوه وأمثاله.

قلتُ أنّ ما قرأته صباح اليوم في الصحافة السويدية، ذكّرني بهذا الرجل، حين ورد خبر يفيد بأن الشرطة السويديّة قد أبلغت عن نفسها لدى الحكومة، بعد أن قامت بتفريق مظاهرة حماسيّة ضد المناهضين للعنصريّة في جنوب البلاد، واضطرّت لاستعمال فرقة خيّالة، كانت قد تسببت بإصابات بين المتظاهرين، مما حدى برئيس خيّالة الشرطة، أن يشكو نفسه وفريقه لدى السلطات. إنتهى الخبر.

في واحدة من نوبات مراقبته للسجناء أثناء أخبار الثامنة، كان (حسين زغيّر) مجهداً بسبب نشاط زائد لم يمكّنهُ من أخذ شوط استراحة ذلك اليوم، وبعد نشرة الأخبار بدقائق، راح صاحبنا يغطّ في النوم.. فيما وجدها النزلاء فرصة للتهكّم العلني والتعليق بدون قيود على ما كان يُدبّجُ للقائد الفذّ من مدائح الشعراء لهزائمه.

هبّ حسين من نومه فزعاً بعد اشتداد الضوضاء، وراعهُ مقدار الفوضى التي تسببت بها غفلتهُ الإجباريّة، مما دفعهُ لأن يكتب في الحال تقريراً مفصّلاً إلى (فلاح عا گولة)، خفير الأمن تلك الليلة، ورد فيه ما يلي:

(إني النزيل حسين زغيّر، مراقب الجملون الثاني، لقد نمتُ أثناء نشرة الأخبار. أرجو معاقبتي وشكراً سيّدي!).

كريم راهي – ستوكهولم

Related Posts