Lazyload image ...
2012-07-03

واري الإسرائيليون الثرى اليوم رئيس وزرائهم الأسبق إسحاق بيرنز شامير، السابع في الترتيب منذ العام 1948، لتطوى معه آخر صفحات من يصطلح على تسميتهم بـ"الزعماء الصهاينة المقاتلين".

واري الإسرائيليون الثرى اليوم رئيس وزرائهم الأسبق إسحاق بيرنز شامير، السابع في الترتيب منذ العام 1948، لتطوى معه آخر صفحات من يصطلح على تسميتهم بـ"الزعماء الصهاينة المقاتلين". وكان شامير البولندي الأصل قد غيَّر اسم عائلته من "يازيرنيتسكي" إلى شامير غداة هجرته إلى فلسطين في العام 1935، ليلتحق بمنظمة "الهاغاناة"، ومن ثمّ بمنظمتي "أراغون" و"شتيرن" على التوالي.

تعني كلمة شامير في العبرية "صخر الصوان المدبب"، وبالفعل، خلال نصف قرن من اشتغاله في السياسة، شكّلت مواقفه المتطرفة من الصراع العربي والفلسطيني-الإسرائيلي اسماً على مسمى، ورغم افتقاره للكاريزما، إلا أنه يعدُّ واحداً من أهم ألف شخصية يهودية في التاريخ الحديث.

آخر المعارك السياسية الكبرى لشامير، قبل انزوائه في غياهب مرض الزهايمر، كانت إفشال "مؤتمر مدريد"، الذي عقد في تشرين الأول/أكتوبر 1991 بدعوة أميركية-سوفيتية مشتركة.

شامير بدأ المعركة في مؤتمر صحفي في سترارسبوغ، قبل خمسة أيام من افتتاح "مؤتمر مدريد"، قال فيه إن حكومته بصدد طرح مشروع على الكنيست، يمنع في حال إقراره إخلاء أي مستوطنة في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. وترجم شامير في كلمته، التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد، مواقفه المتطرفة من جهود التسوية السياسية، حيث تجاهل بشكل كامل أي مرجعية للقرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي-الإسرائيلي، واستبعدها من أسس أي تسوية محتملة. كما تجاهل مبدأ "الأرض مقابل السلام"، بل وأكثر من ذلك اعتبر أن تركيز المفاوضات على تسوية من هذا القبيل سيوصل العملية التفاوضية إلى طريق مسدود.

وكانت الصدمة الأولى في مسار المفاوضات الأردنية والفلسطينية- الإسرائيلية، المنبثقة عن "مؤتمر مدريد"، إعلان شامير مجدداً أن إسرائيل لن تتفاوض مع وفد فلسطيني مستقل، ولن تقبل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وتأكيده في لقاء له مع "مجلس الاتحادات اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية"، في 22/11/1991، أن إسرائيل لن تتخلى عن أي أراض عربية محتلة، وأنه لا مكان في الشرق الأوسط لدولتين يهودية وفلسطينية. وفي السياق ذاته دفع شامير الكنيست الإسرائيلي لاتخاذ قرار يفجر المسار التفاوضي السوري- الإسرائيلي، بتبني قرار يعتبر قضية الجولان السوري المحتل غير قابلة للتفاوض، ويتمسك بقرار الضم الذي اتخذه الكنيست في العام 1981.

وانعكس تعنت شامير على الموقف الأميركي، فانصب جهد إدارة بوش الأب (حينذاك) لتسويق مشروع إدارة ذاتية للفلسطينيين تحت مسمى "حكم ذاتي محدود" في قطاع غزة والضفة الفلسطينية، مستثنى منها القدس الشرقية. وحاولت إدارة بوش الأب وحكومة شامير تحويل المفاوضات إلى قناة غير مباشرة لفرض التطبيع السياسي والاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية كأمر واقع، والالتفاف على مسارات المباحثات الثنائية، المناط بها مناقشة القضايا الجوهرية في الصراع، الأمر الذي أحاط مفاوضات واشنطن بأجواء ضبابية.

وتابع شامير بعد استئناف المفاوضات في واشنطن (9/12/1991) هجومه الضاغط لإفشالها على كل المسارات، حيث تراجع في المسار الفلسطيني عن قبوله توزيع الوفد الأردني الفلسطيني إلى مجموعتي عمل، ورفض مناقشة الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. واتضح لاحقاً أن الهدف الإسرائيلي من وراء ذلك مقايضة تنازلات محدودة وغير جوهرية مقابل التطبيع في المفاوضات الثنائية والمفاوضات متعددة الأطراف، التي تقرَّر انعقادها في نهاية كانون الثاني/يناير 1992. لتنتهي جلسات الجولة الأولى من مفاوضات واشنطن دون أن تحقق أي تقدم، ولم تفلح الجهود الأمريكية والروسية في انتشالها من مأزقها.

وفي تحدٍ لإرادة السلام العربية والدولية اعتبر شامير في تصريح استفزازي أن "العرب لن يوقفوا المفاوضات لأنهم لا يمتلكون البديل"، ولم يكتف بذلك، بل أوعز بالبدء في تنفيذ خطة استيطانية جديدة لتوسيع حزام المستوطنات الذي يطوق القدس الشرقية.

وفي الجولات اللاحقة من مفاوضات واشنطن، قاد شامير المسار التفاوضي الفلسطيني- الإسرائيلي إلى طريق مسدود، من خلال توجيهاته وتعليماته للوفود الإسرائيلية المفاوضة برفض الخوض في المسائل المتعلقة بالأراضي العربية والفلسطينية المحتلة، وحصر صلاحيات الوفد الإسرائيلي المفاوض مع الأردنيين والفلسطينيين في التفاوض تحت سقف حكم إداري ذاتي محدود للسكان دون الأرض.

وصعّد شامير من استفزازه للدول العربية بتصريح قال فيه: "على جيراننا العرب أن ينتبهوا إلى القبول بوجودنا في كل إسرائيل الكبرى.. من غير المقبول أن يكون جزء من وطننا لا حق لليهود بالعيش فيه". في إشارة إلى الضفة الفلسطينية وقطاع غزة والجولان السوري المحتل.

وانتهت الجولة الرابعة إلى خلافات عميقة بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي، تواصلت حتى أسدل الستار على الجولة السادسة والأخيرة من مفاوضات واشنطن، وعبَّر عن ذلك رئيس الوفد الإسرائيلي إلياكيم روبنشتاين بالقول: "إن إسرائيل لا يمكنها قبول المقترحات الفلسطينية حول الحكم الإداري الذاتي، لأنها تشكل خطة لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وليس حل تسوية".

في هذا الحيز بالضبط علقت مفاوضات مدريد- واشنطن في مأزقها، إذ أن الإسرائيليين ما فتئوا يرفضون قيام دولة فلسطينية مستقلة، ويرفضون إنهاء احتلالهم للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في العام 1967. وكشف شامير حينها أنه في حال لو نجح حزبه "الليكود" في انتخابات الكنيست وشكل الحكومة الجديدة، كان ينوي إطالة أمد المفاوضات مع الفلسطينيين عشرة أعوام، كي يصل عدد المستوطنين في الضفة الفلسطينية والقدس الشرقية إلى نصف مليون شخص. غير أن ذلك لم يمثل في جوهره اختلافاً عن سياسة حزب "العمل" الذي فاز بالانتخابات، نهاية حزيران/يونيو 1992، فقد سار على نهج سياسة حزب "الليكود"، بمواصلة الاستيطان، وتعطيل المفاوضات، عبر إغراقها بالجزئيات وبالحلول الانتقالية طويلة الأمد، وتحقق ذلك في اتفاقيات أوسلو، أيلول/سبتمبر 1993.

وبتعطيلها وحرفها عن مسارها، ظل شامير الحاضر الغائب في مسيرة مفاوضات لم تُنزع عنها بصمته القاتلة، وتكَّسرت على "صخر صوانها المدبب" آمال الوصول إلى تسوية شاملة ومتوازنة للصراع العربي والفلسطيني- الإسرائيلي.. وآخر مقولاته "العرب لن يكونوا لنا أبداً أصدقاء".

عامر راشد

أنباء موسكو

2 يوليو 2012