Lazyload image ...
2015-10-12

الكومبس – مقالات رأي: بعد أن اقتنع المفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي بالإسلام واعتنقه، سافر متشوقاً إلى البلاد الإسلامية ليلتقي مسلمي مهد الحضارة اﻻسلامية، وبعد عودته قال مقولته الشهيرة: الحمد لله أني عرفت اإسلام قبل أن أعرف المسلمين.

مقولة تدل على انفصال النظرية عن التطبيق عند المسلمين بشكل صارخ، إذ أصبح معظم المسلمين ﻻيعبرون عن الإسلام بتصرفاتهم.

وما سأركز عليه هنا هو أهم الأسس التي وضعها اﻹسلام في التعامل مع اﻵخرين، وما تحمل من قيم المحبة والسلام للجميع، بعيداً عن الإضافات المتشددة التي ألحقها البعض بالدين، حتى أصبحت عبارة عن شوائب تعبر عن أصحابها و ﻻ تعبر عن الإسلام، بل وينبغي التخلص منها.

نجد في كتاب الله تعالى آيات ترسم لنا الخطوط العريضة في التعامل مع كل الناس ، ففي سورة الممتحنة يقول الله سبحانه وتعالى : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (9)  .

في هاتين اﻵيتين بيان واضح في كيفية التعامل مع الآخرين، فالله تعالى يبين لنا هنا أن آيات الجهاد القتالي  ﻻتشمل من لم يقاتل المسلمين من أجل دينهم، ولم يهجرهم من ديارهم وأوطانهم ، فأي شخص مهما كان دينه أو معتقده، لم يقاتل المسلمين من أجل دينهم، ولم يخرجهم من ديارهم، يجب على المسلم أن يعامله بالبر الذي يعني الإحسان، وإذا لم يعامله بالإحسان فأضعف الإيمان أن يعامله بالقسط أي بالعدل، والفرق بين الإحسان والعدل هو أنك في الإحسان تعطي اﻵخر أكثر من حقه، أما في العدل فتعطيه حقه فقط، ونحن مأمورون بالبر قبل القسط مع كل من لم يقاتلنا من أجل ديننا ولم يخرجنا من ديارنا.

وكل ما يتعلق بالجهاد القتالي مقيد بهاتين اﻵيتين بغض النظر عما يدين به اﻵخر أو يعتقده.

هذا وجب التنويه عنه ﻷن كثيراً من المسلمين يظنون بوجوب مقاتلة اﻵخرين حتى يدخلوا اﻹسلام، لذلك نجد آيات واضحة تبين حرية الإعتقاد لكل الناس وعدم إيذاء أحد من أجل دينه وأفكاره، فمثلاً يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة : ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ….) ،ٌ(256) .

هذا مبدأ إنساني نادى به الإسلام واﻵن أصبح اساسا في مواثيق حقوق الإنسان، ويشمل معظم دساتير دول العالم، فكما يحق للإنسان انتقاء طعامه وشرابه دون إكراه من أحد، كذلك يحق له اختيار ما يدين به أو يعتقده، شرط أﻻ يكره اﻵخرين على الدينونة بما يدين.

فالذي يهمني منك هو أخلاقك وتعاملك معي، ﻷنه هو ما يؤثر علي، أما دينك وعباداتك ومعتقدك فهو لك و ﻻ شأن لي به، وما يعنيك مني أيضاً تعاملي معك وأخلاقي بغض النظر عما أدين به وأعتقده، فما اقتنعت به أنا أنه محرماً قد يكون مباحاً للآخرين والعكس بالعكس، فما ينبغي أن يكون ذلك سبباً للخلاف بيننا أو النفور والعداء، فالله عز وجل هو من سيقضي بين الخلائق يوم القيامة ، ولم ينصّب أحدا ليقضي على اﻵخر، وهو القائل : (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ….) ،سورة الكهف الآية 29.

 وقال لرسوله : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِر )ٍ (22) ، سورة الغاشية .

فما بال البعض ينصّب نفسه حاكماً على اﻵخرين باسم الدين، ويحكم على فلان أنه في الجنة وعلى اﻵخر أنه في الجحي ، وقد يستبيح ماله أو دمه باسم الدين والدين منه براء.

ثم إن خالق الكون يقول : ( ….ُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) (156) ، سورة اﻻعراف .

الله سبحانه وتعالى يقول إن رحمته وسعت كل شيء، وأنت تقول ﻻ إنها ضيقة و ﻻ تتسع إﻻ لي وﻷبناء طائفتي ؟؟؟؟!!!!

ولو نظرنا إلى تاريخ انتشار الإسلام في بلاد جنوب شرق آسيا، لوجدنا أن عدداً من المسلمين هاجروا إلى تلك البلاد، وزاولوا أعمالهم من تجارة وغيرها، ولكنهم عاملوا الناس هناك بأخلاق حسنة من صدق وأمانة وإخلاص في العمل ورحمة باﻵخرين، وانتهى اﻷمر إلى دخول الناس هناك بالإسلام عن قناعة ورضى ودون إكراه من أحد.

ولك أن تقارن بين هذه الصورة وبين قول روجيه غارودي السابق الذكر عندما أسلم نتيجة اقتناعه باﻹسلام عن طريق القراءة، حيث قال ﻻحقاً : الحمد لله أني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين.

إنني قابلت مسلمين يستبيحون أموال اﻵخرين من غير المسلمين، سواء أكانت ممتلكات الدولة أو الممتلكات الخاصة، ثم يهاجمون من ﻻ يصلي مثلاً أو ﻻ يلتزم ببعض الشكليات من المسلمين ، تاركين جوهر الدين جانباً، متناسين أن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم الى الله أنفعهم لعياله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أحب الخلق إلى الله هو الذي يقدم الخير والنفع للآخرين أكثر من غيره،  ليس للمسلمين فقط إنما لجميع الخلق، إنها نظرة شمولية تفتح اﻷبواب واسعة للتعايش مع اﻵخرين، بعيداً عن الطائفية البغيضة أو العنصرية المقيتة، بل على أساس المحبة والمودة والسلام.

وعلى هذه اﻷسس ينبغي أن نربي أوﻻدنا لنخلق عندهم نظرة إنسانية ومحبة تشمل جميع الخلق، ليكون كل واحد منهم إنساناً رسالياً قادراً على تقديم أفضل ما عنده في التعامل مع اﻵخر على أسس إنسانية شاملة.

بقلم: بسّام الدعّاس 

المقالات تعبر عن رأي اصحابها وليس عن الكومبس

Related Posts