من تظاهرات عيد العمال عام 2010 في يوتيبوري
من تظاهرات عيد العمال عام 2010 في يوتيبوري
2016-11-09

الكومبس – مقالات الرأي: يعتبر العمل أحد الأركان الأساسية في مجتمع ونظام الرفاه السويدي، لكن الحصول على وظيفة ليس أمراً كافياً للمنافسة في سوق العمل والتنقل بين الوظائف المختلفة، بل يجب أن يكتمل بالتسجيل في أحد صناديق البطالة A-kassa، وبالتنظيم النقابي، وبالانضواء تحت سقف الاتفاقية الجماعية Kollektivavtal، لأهمّيتها الكبيرة في ضمان حقوق الموظفين والعمال، وتقليل نسب التلاعب بهم واستغلالهم بطرق أقرب إلى العبودية، وفقاً لمعايير السويد.

من المعروف بأن الحياة النقابية، في بلداننا، راكدة أو شبه ميتة بل وحتى ممنوعة في بعضها، وبالتالي فإن ثقافة التنظيم النقابي تبدو جديدة وغريبة كلياً عن معظمنا، بالرغم من أن حق التنظيم النقابي موجود في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 23، الفقرة الرابعة) لدى الأمم المتحدة، بالإضافة إلى الميثاق الاجتماعي الأوروبي.

ما هي الاتفاقيات الجماعية؟

إحدى مهام النقابات في السويد هي إبرام ما يعرف بالاتفاقيات الجماعية Kollektivavtal مع أصحاب الشركات وأرباب العمل، لكن ما الذي يقصد بهذه الاتفاقيات؟ وهل هي فعلاً مهمة للعمال والموظفين؟

بدايةً، هي اتفاقيات مكتوبة وموقّعة تجري بعد مفاوضات بين النقابات “المنظّمات العمالية” ومنظمات أرباب العمل أو أصحاب الشركات بشكل مباشر. وتحدد القواعد السارية في أماكن العمل، وتشمل الأجور وتعيين حدّها الأدنى، أوقات العمل والمناوبات وتعويضاتها، الإجازات المدفوعة وغير المدفوعة، تعويضات السفر والعطل، التأمينات، تقاعد نهاية الخدمة tjänstepension الذي يدفع إلى جانب المعاش التقاعدي الأساسي.

وتنظم الاتفاقية الجماعية الوظائف المؤقتة والتجريبية وتثبيت الموظفين بشكل دائم، وعدد أيام الإجازات والعطل، وإمكانية حفظ أيام من الإجازة السنوية إلى العام التالي، وإجازات الأمومة الخاصة بكِلا الوالدين، وتعويضات إعادة التأهيل والإصابات.

مئات آلاف الكرونات

تغطي الاتفاقيات الجماعية مبالغ تصل إلى مئات آلاف الكرونات لمن يعمل لسنوات طويلة، وتنظم سوق العمل وصراع المصالح بين العمال وأصحاب الشركات، وتشكل ملجأً للحقوق الاجتماعية للعمال في مواجهة قوى السوق ورأس المال، كما تساهم في حل معظم النزاعات القانونية دون إجراءات قضائية طويلة ومكلفة.

الاتفاقيات الجماعية تمنع خفض الأجور في سوق العمل، وتحد من انتشار المنافسة الاضطرارية بين الموظفين من خلال قبولهم رواتب متدنية وظروف عمل سيئة في سبيل الحصول على عمل فقط.

أمان ونفوذ ومنع الإضرابات

الاتفاقية الجماعية هي وسيلة فعالة لتنظيم ظروف العمل، والمساهمة في الاستقرار والنمو الاقتصادي، وهي تعزّز من دور التنظيمات النقابية وقوتها، حيث يحصل الموظفون على أمان ونفوذ بشكل ديمقراطي، وشعور بالدعم في مفاوضاتهم حول زيادة المعاش، وتمنع بقاء زيادة رواتبهم بين أيدي أحزاب سياسية تمثل أصحاب الشركات ورؤوس الأموال.

وفي المقابل، يحصل أصحاب الشركات، من خلال الاتفاقيات الجماعية على مرونة في القطاعات التجارية والصناعية والخدمية، من خلال خفض تكاليف تبديل الموظفين لأعمالهم وتنقلهم بين الشركات والمؤسسات المختلفة، وتؤمن تخفيضات على تأمين الموظفين، وضمانات باستمرار العمل لطالما الاتفاقية جارية، وبالتالي منع حصول إضرابات وتوقف الانتاج.

ويمكن أن تحتوي الاتفاقيات الجماعية على قوانين مفصلة للشركات، التي لا تنتمي إلى منظمات أرباب العمل. على سبيل المثال يوجد مهن لا تتطلب السفر من أجل مزاولتها، فلذلك ليس من الضروري أن تحتوي الاتفاقية على بنود وشروط حول السفر. وإن كان العمل يستلزم مناوبات ليلية وفي أيام العطل، أو مهام يمكن إنجازها من المنزل، فيجب تنظيمها ضمن الاتفاقيات الجماعية.

أما بالنسبة للشركات التي لا تمتلك اتفاقيات جماعية فإن القانون يلزمها، فقط، بالتفاوض حول إقالة الموظفين والعمال، فيما يمكن لأصحاب الشركات والمدراء أن يقرروا بمفردهم أية تغييرات أخرى.

الاتفاقية الجماعية تغطي معظم الموظفين والعمال في السويد

تعتبر السويد إحدى الدول الفريدة في العالم التي تعتمد على الاتفاقية الجماعية لتنظيم سوق العمل، فيما تختار دول أخرى قوانيناً بدلاً عن الاتفاقيات. حيث تقرر برلمانات العديد من الدول الأوروبية، مثلاً، الحد الأدنى للراتب في البلاد. أما في السويد لا يوجد قانون ينظم الحد الأدنى للأجور أو يمنع منحها.

وبحسب الأرقام الرسمية فإن 90% من الموظفين والعمال في السويد مشمولين باتفاقيات جماعية. فالقطّاع العام بأكمله وكل الشركات الكبيرة (أي التي تمتلك 50 موظفاً وأكثر) لديها اتفاقيات جماعية. فيما تغيب هذه الاتفاقيات عن الشركات الصغيرة في المجالات الصناعية والخدمية، وخاصة الموجودة في المدن الكبرى.

قد يضطر العديد منا إلى العمل في فترة مبكرة، لأسباب معروفة، لكن مهما طالت فترة التوظيف الاضطراري تحت ظروف تخلو من الحد الأدنى للحقوق والكرامة، فإنه يتوجب التعرف إلى الاتفاقيات الجماعية والنقابات وصناديق البطالة والانضمام لها، والاستعانة بها دوماً، ونشر ثقافتها بين الجميع وخاصة المقبلين على دخول سوق العمل، من أجل النهوض من موقع “المفعول به” إلى “الفاعل” في المجتمع.

20160911_012911

نادر عازر

ملاحظة: المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس بالضرورة عن الكومبس، كما أنه لا يمثّل أي جهة أخرى. 

الصورة من تظاهرات عيد العمال عام 2010 في يوتيبوري

Foto: claes krantz

Related Posts