Lazyload image ...
2012-06-25

انتشرت في الأعوام الخمسة الأخيرة ظاهرة الازدياد المضطرد لأعداد القنوات التلفزيونية الفضائية العربية، والناطقة بالعربية، من كل صنف ولون، كما ينبت الفطر بعد ليلة مرعدة، فلا يكاد يمرُّ شهر دون إطلاق قنوات جديدة تدخل بورصة المنافسة على استمالة المشاهد العربي، ولا يترافق ذلك بالضرورة مع إمكانية الوصول إلى معلومات أكثر قيمة

انتشرت في الأعوام الخمسة الأخيرة ظاهرة الازدياد المضطرد لأعداد القنوات التلفزيونية الفضائية العربية، والناطقة بالعربية، من كل صنف ولون، كما ينبت الفطر بعد ليلة مرعدة، فلا يكاد يمرُّ شهر دون إطلاق قنوات جديدة تدخل بورصة المنافسة على استمالة المشاهد العربي، ولا يترافق ذلك بالضرورة مع إمكانية الوصول إلى معلومات أكثر قيمة، أو إثراء النقاش بحثاً عن المعلومات الصحيحة، من خلال تزويد المتلقي بعناصر إعلامية متنوعة تؤهله ليسهم فكرياً في بناء مجتمعه.

ما يعنينا في سياق فكرتنا هما صنفان من القنوات الفضائية، القنوات الإخبارية والقنوات الدينية، من حيث كيفية عكسهما واستثمارهما للتناقضات السياسية والطائفية والمذهبية في المجتمعات العربية، في وقت يتعاظم فيه ولع المواطن العربي بالإعلام المرئي، ويُقبل على استهلاكه كمزود معرفي وثقافي.

وفي هذا المجال؛ يعطي البعض للقنوات الإخبارية الفضائية الأكثر مشاهدة عربياً، مثل الجزيرة والعربية والـ"بي.بي.سي" وفرانس 24، رصيداً كبيراً في أنها كانت المحرك الأساسي لثورات الربيع العربي، بمواكبتها للحدث وعرضها للحقائق بمهنية وحيادية وشفافية، رغم اعتراف إدارات الفضائيات بأن الحيادية غير ممكنة، بل غير مطلوبة، لأن المطلوب فقط مهنية وموضوعية، وهما صفتان نضعهما بين معترضتين بعد سماع الاعتراف المكمِّل للاعتراف السابق، ومؤداه أن إدارات الفضائيات تأخذ في حساباتها أن المشاهد العربي يميل إلى مشاهدة القنوات التي تنسجم مع ردود فعله العاطفية حيال الأحداث.

وجدير بنا التمعن في ما تعبر عنه سياسات عمل تلك القنوات من تناقض، فقناتا الجزيرة والعربية اللتان تحوزان على أكبر نسبة من المشاهدين العرب، مع تقدم الأولى على الثانية بفارق كبير جداً، تتلقيان مصادر تمويلهما من بلدين غير ديمقراطيين. وفي حين تتحاشى الجزيرة انتقاد دواخل السياسة القطرية، تتحاشى العربية بدورها انتقاد السياسات السعودية. فيما -على سبيل المثال- القنوات الغربية الناطقة بالعربية روجت في بداية "الربيع العربي" لمجموعة التكتيكات التي اتبعتها واشنطن وعواصم القرار في الاتحاد الأوروبي لإنقاذ نظامي الحكم في القاهرة وتونس، ولم تتوقف عن ذلك إلا بسقوط النظامين. وذلك مفهوم لأنها وجدت لتخدم مصالح القيِّمين عليها.

وتبدو تناقضات القنوات الفضائية الإخبارية بسيطة بالقياس إلى الطامة الكبرى في سياسات القنوات التي تطلق على نفسها "قنوات دينية"، فقد سارت هذه القنوات عكس اتجاه سير ثورات "الربيع العربي"، بإشعال الحمى المذهبية والطائفية في أسوأ صورها. وهناك أكثر سبعين قناة سنية وشيعية فضلاً عن القنوات المسيحية، وعشرات القنوات المذهبية والطائفية التي تستر وراء يافطة قنوات جامعة، أكثرها شيوعاً في العراق ولبنان.

والحال أن الانفتاح الظاهر الذي جاءت به الفضائيات العربية يبقى مجرد قشرة تغطي على بنية مغلقة، ومنغلقة على ذاتها، لا تستطيع أن تسلط الضوء على معالجات ناجعة للقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تضرب عصب المجتمعات العربية، وحتى على صعيد البرامج الترفيهية والثقافية تجري منافسة شكلية وفقاً لقواعد اللعبة التي تحددها الجماعات المسيطرة ثقافياً وإعلامياً والمتزاوجة مع الطبقات المهيمنة وتعبيراتها السلطوية.

هذا يعني ببساطة أن الإعلام الرسمي العربي خسر المنافسة مع الإعلام شبه الرسمي، إلا أن المعضلة بقيت وإن بتعبيرات مختلفة، لأن الطبقة المستحدثة بغالبيتها والمالكة لوسائل الإعلام شبه الرسمية لا تمتلك تلك المزايا المهنية والموضوعية التي تمكنها من حمل رسالة واضحة تسهم في خلق التوازن الاجتماعي، من خلال التصدي للمشاكل والحاجات المجتمعية الحقيقية. ولهذا فهي تشترك مع المؤسسات الإعلامية الرسمية في افتقارهما للمقدرة على إثراء الذات، الذي يُشترط لتملكه وجود علاقة تبادلية وتفاعلية بينهما وبين المتلقي، وتلمس الحاجات الحقيقية للتغيير الذي يفترض مجتمعاً متماسكاً ومتسامحاً مع الذات والآخر، وأن يكون الإعلام عوناً قيِّماً للتغيير يتيح توجيه الرأي العام للأهداف الوطنية الكبرى.

عود على بدء، بنيت نظرية الإعلام في مجتمعات الوفرة (المتقدمة) لتجعل من الإعلام أحد مكونات السلطة، حيث أن احتكار الفكرة على حقيقتها يمثل أحد شروط استمرار الطبقات المهيمنة في محافظتها على سيطرتها، وبالتالي فإن توجيه المعلومة وإعادة صياغتها وإخراجها بما يخدم مصالح القوى المسيطرة، يعتبر أحد أسس استقرار السلطة السياسية في هذه البلدان، من زاوية إسهامه في صناعة الرأي العام. وهكذا يمكننا أن نفهم جذر الإشكالية التي يعاني منها الإعلام العربي -الرسمي والخاص- الذي بني على محاكاة وتقليد الإعلام الغربي، دون توفر أدنى مقومات المقارنة بينهما من حيث الإمكانيات والأدوات والخبرات.

فهدف السيطرة الذي تسعى له الجهات الممولة للقنوات الفضائية العربية يفقد الخطاب الإعلامي قيمته ووظيفته، ويحوله إلى حامل لخطاب سلطوي أبوي شمولي، لا فرق إن ادعى الموالاة أو المعارضة، ومع خضوعه لقواعد تقنين سيطرة السلطة يتحول إلى أداة من أدوات تحكم غير ديمقراطية بل ومدعاة لتفشي الصراعات الطائفية والمذهبية. والسيئ في الموضوع أن القنوات الفضائية فرضت سلطانها على المواطن العربي، رغم ما يعانيه خطابها الإعلامي من أزمة هوية وتغييب الرؤى الإستراتيجية باستثمارات سياسية قصيرة النظر.

وما دام الإعلام حكراً على الجهات الرسمية أو شبه الرسمية المُمولِة، أو الأشخاص المُتمولين، ونشره يتعمم من الأعلى إلى الأدنى بعد (فلترته)، وضبطه في سياقات موجهة لتخدم منظومة مصالح تلك الجهات أو أولئك الأشخاص، فإن الديمقراطية وحرية الكلمة تغدوان مجردَّ كلمتين باطلتين وبمثابة ترويج عملة زائفة، ويمسي ما يقال عن موضوعية الإعلام إنما تهريج خادع، فالأخطر من أن يكون الجمهور غير مطلع، هو أن يكون مطلعاً بشكل موجه من القائمين على الوسائل الإعلامية خدمة لمصالح من يقفون وراءها، ويحولون بألاعيبهم الإعلامية الديمقراطية إلى لعبة المغفلين.

ننهي بطرفة ذكرها أحد الإعلاميين العرب وهي أن رجل أعمال عربي أراد فتح مقهى في عاصمة عربية، لكنه سريعاً ما عدل عن رأيه وقرَّر افتتاح قناة فضائية، لأن إجراءات تراخيصها أسهل، وأرباحها مضمونة أكثر، وهناك ألف باب وباب للتهرب الضريبي، فضلاً عن الحظوة والعلاقات العامة..

عامر راشد

أنباء موسكو

24 يونيو 2012