Lazyload image ...
2013-01-29

كنا على معرفة من ذي قبل، ولكن عن بعد، لكوننا من النجوم الصاعدين في الاعلام العبري. لم اعرف انه كان ليحضر ذلك المؤتمر فلم يكن مراسلا حزبيا، كذلك اهتم ولم الحظ من خلف جمجمته من الذي جلس في الصف الامامي قبالة ارييل شارون ورفاقه الليكوديين الذين كانوا في الحكم. لكن في القاعة المكتظة، والتي اجتمع فيها قادة الحكومة الاسرائيلية من الليكود والعديد من الصحافيين المحليين والعالميين لم يكن هناك الا مقعد شاغر واحد في الصف الامامي، وبالتحديد الى جانب صاحب ‘الرأس الكبير’.

د. مَكرَم خُوري مَخُّول

2013-01-27

كنا على معرفة من ذي قبل، ولكن عن بعد، لكوننا من النجوم الصاعدين في الاعلام العبري. لم اعرف انه كان ليحضر ذلك المؤتمر فلم يكن مراسلا حزبيا، كذلك اهتم ولم الحظ من خلف جمجمته من الذي جلس في الصف الامامي قبالة ارييل شارون ورفاقه الليكوديين الذين كانوا في الحكم. لكن في القاعة المكتظة، والتي اجتمع فيها قادة الحكومة الاسرائيلية من الليكود والعديد من الصحافيين المحليين والعالميين لم يكن هناك الا مقعد شاغر واحد في الصف الامامي، وبالتحديد الى جانب صاحب ‘الرأس الكبير’.

ما بين ‘رغبتي’ بالتحديق في شارون عن بعد مترين بكل ما يمثله لأي انسان، وبالتحديد اذا كان فلسطينياً مثلي، وتحدياً لكل ما هو مثلهم، ارتفع كما يبدو الادرينالين في جسمي ليرافق جينات الجرأة حتى وضعت نفسي عبر القفز والدفش في ذلك المقعد الشاغر. لم يكترث احد من الموجودين بما قمت به (فالجميع مر بفحص امني مشدد) غير صاحب ‘الرأس الكبير’ الذي جلس على يمين المقعد الشاغر. فالتفت نحوي بسرعة وغضب واخذ السم يفرز من مسامات وجهه باديا الكراهية التلقائية والحقد تجاهي. لم يكن هذا الشخص الا يائير لبيد بذاته، الصحافي آنذاك في صحيفة ‘معاريف’ الاسرائيلية اليمينية (بالعبرية).

كان ذلك في العام 1989 حيت كنت في مطلع العشرينيات من العمر وبعد تخرجي من جامعة تل- ابيب وبمد وشد وتكوين الباع المقبول في الكتابة الصحافية في اللغة العبرية (ولكن مع خطيئتي في فضح الجيش الاسرائيلي وتعميد الانتفاضة صحافياً)، حيث كان لبيد وانا من الجيل ذاته.

هذه الحكاية قفزت الى مخيلتي عندما تابعت البث المباشر للانتخابات البرلمانية الاسرائيلية على القناة التلفزيونية الاسرائيلية الثانية باللغة العبرية مساء 22 يناير 2013 وسمعت وشاهدت تسلق حزب لبيد (يوجد مستقبل) ليصبح هذا الحزب الناشئ اكبر ثاني لائحة حزبية (هناك فرق بين الحزب واللائحة التي تمثله في الكنيست وفقا لقانون الانتخابات) في الكنيست الاسرائيلي وعن هل سيتحد مع نتنياهو ام مع المركز- يسار.

منذ نشر عينة نتائج الانتخابات اخذت تتردد من قبل المذيعين جملة واحدة اكثر من اي جملة اخرى: ‘العالم يدرس الان من هو يائير لبيد’. توقفت عند هذه الجملة وسألت نفسي: ما الذي يفعله كل هؤلاء ‘الخبراء’ من القوميات المختلفة في الشأن الاسرائيلي ان لم يسمعوا عن يائير لبيد خلال الربع قرن الاخير؟ قلت في نفسي :’لبيد هو ابن لبيد يا جماعة’. ليس كل ابن هو ابن ابيه او امه البيولوجيين، سياسياً، على الاطلاق. لكن هناك ضرورة للتعرف على الخلفية السياسية للاسرة في حالة غوص أي فرد منها في المعترك السياسي لاجل الفحص والمقارنة. يائير لبيد هو الابن المدلل لوالدين يهوديين صهيونيين يمينيين علمانيين، عمل كل واحد منهما، يوسف (تومي) لبيد الاب (من مواليد صربيا) والام شولاميت في ترسيخ القصة الصهوينية وصقل الرأي العام الاسرائيلي اليهودي بشكل شبه فاشي عبر النتاج الثقافي باساليبه المتنوعة خلال عشرات السنين.

فبينما عملت الام في النتاج الادبي ككاتبة روائية تخصص مساحات واسعة للهجرة اليهودية – الصهيونية الى فلسطين المحتلة، فيما عمل الاب في التلفزيون والاذاعة شاغلاً مناصب مهنية تضع السياسات الاعلامية – الثقافية للاجيال اليهودية لكي ينتقل بعدها الى العمل السياسي- الحزبي مع اليمين العلماني ‘الليبرالي’ امثال حزب شينوي ليصبح في النهاية وزيرا في حكومة شارون الميت صناعياً فيجب ان يكون واضحا ان يائير، ابن هذه العائلة التي تنتمي الى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى لم يرضع من الثدي اليساري لامه ‘اسرائيل’.

تابعت كتابات يائير لبيد منذ ان كنا معاً في المهنه في نهاية الثمانينيات (‘زملاء’ غير رفاق) وبعد مغادرتي فلسطين في التسعينيات ولا استطيع الا ان اخلص الى نتيجة (ومع الوقت ممكن ان تقدم الاحصائيات والدراسات العلمية) ان يائير هذا هو لبيد الصغير ابن لبيد الكبير، وبالتحديد عندما يعلن انه جلس لمشاهدة عينة نتائج الانتخابات في البيت مع والدته شولاميت (لكتابة خطاب النصر) وبعدها شمل خطابه حكايات عن والده (الذي توفي عام 2008). فهذه التنشئة السياسية التي يمكن وصفها بالعنصرية، هي ذاتها التي ادت الى تسريب اخبار عن انه مع عاصمة القدس المحتلة كعاصمة ابدية للادراة الاسرائيلية.. وهي ذاتها التي جعلته في العام 1989 يترك الفحوى السياسية لمؤتمر الليكود ويشير الى امتعاضه عن ‘كيف’ انه صعق لجلوس مكرم خوري- مخول الى جانبه، معبراً عن رفض الآخر.. لانه اراد ‘القدس’ واحدة له فقط.. حقاً ان الشخصي هو السياسي.

‘ كاتب وأكاديمي فلسطيني يقيم في لندن

القدس العربي

Related Posts