Lazyload image ...
2012-12-09

 

يشغلُ موضوع الاندماج والتكيف للقادمين الجدد والوافدين من دول العالم الثالث، حيّزاً كبيراً من تفكير المجتمعات الغربية، لما لذلك من اثر كبير وتداعيات تلقي بظلالها على المشهد الاجتماعي الذي تحياه المجتمعات الغربية، وما يمكن ان يشكله من صعوبات وعقبات امام التقدم والتطور الذي تنشده هذه المجتمعات، على كافة الصُعد المرجوة لدى تلك البلدان. حيث يمكن القول انها تشكل معضلة حقيقية تحول دون التواصل ما بين الوافدين الجدد ونظرائهم الغربيين من المواطنين الاصليين.

يشغلُ موضوع الاندماج والتكيف للقادمين الجدد والوافدين من دول العالم الثالث، حيّزاً كبيراً من تفكير المجتمعات الغربية، لما لذلك من اثر كبير وتداعيات تلقي بظلالها على المشهد الاجتماعي الذي تحياه المجتمعات الغربية، وما يمكن ان يشكله من صعوبات وعقبات امام التقدم والتطور الذي تنشده هذه المجتمعات، على كافة الصُعد المرجوة لدى تلك البلدان. حيث يمكن القول انها تشكل معضلة حقيقية تحول دون التواصل ما بين الوافدين الجدد ونظرائهم الغربيين من المواطنين الاصليين.

بالرغم مما تنفقه الدول المستضيفة على البرامج الضخمة لتسهيل عملية الاندماج، الا ان المحقق منها اقل من التوقعات المأمولة بكثير، حتى يمكننا القول هنا وبكل اريحية، ان هناك من الاخفاقات والانتكاسات، ما يفوق بكثير حجم النجاحات المرجوة في هذا السياق. ولكي نكون منصفين في هذا الجانب وبعيدين عن التجني واسقاط الرغبات، فان ذلك يستوجب الاقرار منا، بأن الفشل الجلي والواضح هنا يتوقف على طرفي المعادلة التي تستهدفها العملية بمجملها لظروف منها الموضوعي والذاتي لدى الطرفين.

و من دون ان نغفل الدور السلبي جدا للدول المضيفة على الصعيد الرسمي، وذلك القصور الكبير في جوانب الاولويات التي يجب ان تستهدفها البرامج التوعوية التي تديرها المؤسسات الرسمية في تلك البلدان. حيث ان اقل ما يقال في هذا الجانب عن الدور الرسمي الذي تضطلع به الحكومات هو كما في المثل الشعبي: ” مثل حراث الجمال ” !

على ان السؤال الاهم الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الجانب، ايهما اسهل واسلس؟ ان نتحدث هنا في موضوع الاندماج بمعناه الحرفي، ام ان الافضل ان نتناول موضوع التأقلم والتكيّف ؟!! وايهما اسهل واضمن للوصول بنا الى قواسم مشتركة في تعاطينا مع الواقع الجديد الذي وجدنا انفسنا فيه ؟!


السؤال المهم الذي يطرح نفسه: الإندماج أم التأقلم؟..

مما لا شك فيه ان هناك خلطا كبيرا في المفاهيم، وفي تعريف المصطلحات كما يجب وينبغي ان يكون! فالتأقلم شئ والاندماج شئ اخر. والتأقلم والانسجام هو عبارة عن تقبل الواقع الجديد وقبول الآخر دون تحفظ والانفتاح عليه، مع الاحتفاظ بالعادات والتقاليد الاصلية، فيما الاندماج بما يحمله من معنى ما هو إلا انسلاخ كلي عن القيم الاصلية، واستبدالها بالقيم المجتمعية الجديدة. بمعنى اخر فان التأقلم هو جزء من الاندماج، والاندماج يشكل مرحلة متقدمة جدا عن التأقلم.

من هنا، فانني أرى ان امكانية البحث في موضوع التأقلم والتكيّف وتقبل الاخر سيفتح افاقا اكثر رحابة، وسيعزز من فرص النجاح اكثر، وسيعزز من حقيقية العيش المشترك بين الطرفين. وفي ذات الوقت سيحترم خصوصيات كليهما، ويعمل على خلق نقاط تلاقي وتوافق تصب في نهاية المطاف بالهدف المنشود.

ما يدفع لطرق هذا الموضوع والتحدث فيه هو هذا الكم الذي اصبح بالملايين في بلاد المهجر وتلك الطاقات غير المُستغلة، ولا ابالغ ان قلت ( الضائعة ) التي غابت عن الوطن وعاشت الغربة والاغتراب حتى في عكس هموم وقضايا مجتمعاتها وفي ثاتيرها المحدود جدا داخل واقعها الجديد لتقديم صورة ايجابية في حدود معينة عن الواقع الصعب لدينا وحجم المعاناة التي تعيشها شعوبنا من جراء السياسات الغير متوازنة لتلك الدول في نظرتها لقضية الشرق الاوسط، وخلق نواة لقوى فاعلة ومؤثرة في تلك الدول تكون مناصرة لقضايانا الوطنية.

مما لا شك فيه ان الموروث الاجتماعي، وهذا الارث الهائل من العادات والتقاليد في المجتمعات الشرقية، تكون مؤثرة وعاملا حاسما في مدى تقبل اللاجىء لعادات وتقاليد المجتمعات الغربية، وهي بلا شك عامل ( فرملة ) يحول دون الاندماج السلس في المجتمعات الجديدة التي وفد اليها اللاجيء من اصول شرقية، وبقدر ما لهذا العامل من اثار مباشرة على الية الاندماج ، فان هناك جانب اخر يعود للتفاوت والتباين، والفارق الموجود اساسا في المستويات الثقافية والعلمية بين الوافدين انفسهم.

الانسان اكثر الكائنات الحية على الارض قدرة على التنقل والانسجام والتعايش، واذا كانت باقي الكائنات مرتبطة بالمكان الذي تتواجد وتعيش فيه، وكيّفت ظروفها الحياتية للتعايش مع واقعها المحيط، فان هذه الميزة تفتقدها تلك الكائنات بمجرد انتقالها من مكانها الطبيعي الى مكان اخر، حيث يؤدي الامر في العديد منها الى الموت والفناء، وعدم قدرة على التأقلم مع واقع اخر.

فالاسماك مثلا، لها مكانها المحدد وبيئتها المعروفة، وهي العيش فقط في المياه، الحال ذاته نجده في عالم الحيوان، حيث يتم تقسيمها تبعا لمناطق تواجدها، كذلك الامر في عالم النباتات، فليس بمقدورها التنقل من مناطقها الطبيعية لمكان اخر يختلف في الطبيعة الجغرافية والمناخ، وحتى يتسنى لها ذلك، ومن دون التأثير على حياتها ونموها الطبيعي، فلا بد ان يتدخل العامل البشري في هذه المعادلة، وذلك لجهة توفير ظروف مهيئة ومناسبة لباقي الكائنات تكون في حدود كبيرة جدا مشابهة لمكانها الاصلي وموقعها الطبيعي.

ذلك يعني ان ركيزة الحياة على الارض هو الانسان، وهو بحكم رقيه وتفوقه على باقي الكائنات، يلعب الدور الاساسي والمحوري في تهيئة الظروف المناسبة والمواتية للابقاء على الحياة لدى بقية الكائنات الاخرى. ولكن ماذا عن الانسان ذاته ؟! فاذا كانت بقية الكائنات غير قادرة على الانتقال من مكان لاخر والعيش فيه بدون التدخل البشري والدعم الانساني لها، فمن يعين الانسان اذا في ترحاله وتنقله ؟! وعودة الى بدء هنا، كيف يتيسر للانسان التنقل والترحال من مكان لاخر ويمكنه ان يكيف ذاته ونفسه على التعايش فيه دون ان يفني حياته ؟!

الانسان بما يمتلكه من عقل ومعرفة، قادر على التكييف مع الظروف الحياتية وتجنب اقساها، حيث يمكنه ان يذود عن حياته في صراعه لاجل البقاء، وهو الكائن الوحيد على الكرة الارضية الذي طوع وسخر كل اماكنيات الطبيعة لخدمته وللحفاظ على حياته، واذا ما اخذنا الجانب الوجودي الروحاني في هذا الموضوع، فاننا سنجد ان الانسان وريث الله في الارض بما استمده من سعة معرفية ساهمت في منح الاخرين فرصة للوجود. فهو قادر على منح الحياة لمن حوله تماما كما الخالق في جوانب معينة، حيث اكمل هذه المهمة للعديد من الاشياء المحيطة بوجودة بمساعدتها فيما يتعلق بالبقاء على قيد الحياة والقدرة على التعايش، واذا ما سلمنا بصحة ذلك فان الامر والحال كذلك لا يمكننا ان نسلم وبتلك البساطة بان النمو الطبيعي وسرعة الاندماج والانسجام وانتقال البشر من مكان لاخر ستكون بتلك السلاسة التي رأيناها في حالة البقاء والقدرة على مقاومة الموت.

في هذا الجانب تحديدا يمكن ان نجد الاختلافات بين البشر وباقي الكائنات الحية على وجه الارض، فاذا كان الانسان يسطيع ان يتجنب المخاطر التي تواجهه في طريق البقاء، فان هناك جوانب اخرى في التركيبة البشرية تشكل موانع حقيقية امام التكيّف السريع مع الواقع المحيط، وهناك روابط قوية ومتينة تدفع الانسان في احيان كثيرة لرفض واقعه الجديد، وبالتالي تبقى النفس البشرية محاصرة، وحائلة بينها وبين الوصول الى النتيجة المرجوة.

هذه الجوانب تتركز في الجانب الروحي العاطفي للانسان، من عوامل نفسية واحاسيس ومشاعر، وضوابط اجتماعية وعلاقات اسرية وصداقات قديمة الخ. وهي بالمناسبة الجزء الابرز في تكوين وصقل الشخصية البشرية وعندما يتم تجريد الانسان منها، فانها تجرده من محتواه البشري وتبقي عليه كائنا حيا مجردا، يجمعة ببني جنسه فقط الهيكل البدني.

اذا ما اتفقنا على ان الانسان ارقى المخلوقات، فان ذلك لا يلغي موضوع التباين بين البشر ذاتهم لناحية سعة المعرفة والمفاهيم الثقافية وقبول الاخر. وكون هذا الجانب موجود بين البشر، فان التقسيمات الجغرافية والسياسية للدول فيها من التفاوت ما يمكن لمسه، سواء على صعيد البناء الاجتماعي او الفكري، او تشكيلة وتركيبة النظام السياسي والاقتصادي لهذه الدولة او تلك.


تلعب العوامل والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلدان الأصلية دورا أساسيا في الشخصية البشرية للمهاجرين..

تلعب العوامل والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة في البلد الام، دورا اساسيا في التأثير المباشر في الشخصية البشرية، الامر الذي ينعكس بشكل مؤثر وفاعل على موضوع الهجرة واللجوء عموما، وعملية الاندماج في الواقع الجديد للاجىء خصوصا، كما ان النظم الاجتماعية السائدة في البلدان المستقبلة للاجئين وتطورها في جميع الجوانب، والذي يشكل عامل جذب مهم في طرق ابواب اللجوء والسفر اليها، يشكل عاملا اخرا من عوامل تسهيل او تعقيد الموضوع المطروح.

هناك العديد من المخاطر التي ترافق عملية اللجوء ذاتها، سيما وان فكرة الهجرة غير الشرعية هي التي سادت الظاهرة في الاونة الاخيرة، وهي ما تجعل اللاجيء وطالب اللجوء عرضة للابتزاز منذ اللحظة الاولى لقراره، سواء كان منها المادي او الجسدي والذي يصل احيانا الى الابتزاز والاستغلال في حالات النساء، وتجد من المهاجرين من باع كل ما يملك واستدان مبالغ طائلة ليدفعها للمهرب من اجل الوصول الى مراده، حيث تبدأ رحلة العذاب النفسي والجسدي للمهاجر من تلك اللحظة، والتخوف من حالة المجهول التي قد تعترض طريقه في الوصول الى مراده. فمنهم من يتم تسلميه للاجهزة الامنية في بلده الام، ومنهم من يقطعه المهرب في المحطات الاولى من رحلة اللجوء ويتركه في تيه غير مستوعب، ومنهم من يصل ولكن بعد ان يكون قد استنزف ماديا وجسديا، وخطورة الموضوع عندما تكون اسرة بكاملها قد قررت اللجوء، يمكن حينها تصور حجم الاهوال والتخوفات التي ترافقها منذ اللحظة الاولى لقرارها وصولا الى لحظة اتخاذ القرار بخصوصها من قبل الدولة المضيفة سواء سلبا او ايجابيا، والكارثة عندما يكون الجواب سلبا، فيمكن عندها تخيل تلك الحالة من الانطوائية والعجز التي تقع فيها الاسرة.

عمليا تم التطرق الى بعض تلك التفاصيل لتسليط الضوء على جوانب عديدة من عملية اللجوء وهي ليس بالضرورة كل تفاصيل العملية برمتها، وكان من الضروري التطرق الى البعض منها لتسهيل الفكرة على المتلقي، واذا كان الهدف من الموضوع هو تسهيل عملية الاندماج فان ذلك يسترعي في الحدود الدنيا الالمام ببعض التفاصيل الدقيقة احيانا والتي تلعب دورا اساسيا في نجاح الموضوع بكامله.

من ميزات المجتمعات المتحضرة وجود انفتاح فيها على الاخرين، وبالتالي فان عملية اللجوء وتعدد الثقافات في داخل المجتمع الواحد تشكل بحد ذاتها منطلقا وقاعدة اساسية في تكوين مجتمع غني بالثقافات متعدد في التوجهات ومتماسك من الداخل اذا ما تم استغلال تلك الفكرة في تنمية وتطوير المجتمع، وفي ذات الوقت تلعب دورا سلبيا وتراكم من فرص تنامي العنصرية والفاشية في داخل المجتمعات المتنورة في حال النظر اليها من زوايا ضيقة قصيرة النظر وبعيدة عن عقلية الانفتاح، فعملية اللجوء تحمل الشيء ونقيضه في الوقت ذاته.

حالة البؤس والقمع والفقر تدفع العديدين للهروب من واقعهم المرير طلبا للامان والاستقرار والراحة، واذا كان الغرب قد وفر تلك الفرصة للشعوب في العالم الثالث ,فان تلك العوامل قد دفعت العديد منهم لطرق ابواب الهجرة واللجوء.الامر الذي ادى الى اجتياح الغرب بموجات كبيرة واعداد غير مسبوقة، اصبحت مشكلة وعبء كبير اثقل كاهل الدول المضيفة وفاق حجم توقعاتها وضرب خططها المعتمدة والمقرة في سياسة اللجوء والهجرة، وهو الامر الذي اثر سلبا على موضوع اللجوء برمته وخلط كل الاوراق وفرض سياسة عدم المراعاة احيانا في تفهم اسباب اللجوء والدوافع الكامنة خلفها.

هنا نجد تشابك الظروف الموضوعية بالاخرى الذاتية في تأثيرها المباشر على عملية الاندماج، فالضغط الكبير لامواج الهجرة عقد من اجراءات الدوائر المعنية في سرعة انجاز الموافقات وقبول الطلبات وهو الامر الذي يجعل طالب اللجوء مشدودا طوال فترة الانتظار غير قادر على الاجابة عن السؤال الابرز الذي يؤرقه ويقلقه، وهو امر في غاية الاهمية يزيد من توتر الانسان ويجعله رهينة لهواجس كبيرة ومجهولة. ويرافقه في البقية الباقية من حياته لما يتركه من انطوائية غير عادية في الذات البشرية.

من جهة اخرى فان الظروف التي ترافق عملية استيعاب اللاجئين في الفترة الاولى لقدومهم كالسكن مثلا ، تشعرهم بالالم والحزن الشديد، وهنا نذكر منها على سبيل المثال ظروف السكن الجماعي، فهي من جهة وان كانت مفهومة لدى الدولة المضيفة والتي تطلب امكانيات مادية هائلة في توفير السكن للجميع،الا انها غير مفهومة بتاتا لدى اللاجيء نفسه، حيث يترسخ في ذهن طالب اللجوء بان حقوقه تأتي في الدرجة التالية للحيوان، حيث لا يمكن للانسان المجرد من كافة حقوقه في وطنه الام، ان يتفهم ويستوعب وجود العديد من العائلات في نفس الشقة السكنية، وهو الامر الذي يلغي كافة الخصوصيات الشخصية سواء للفرد او العائلة، من ابسطها الى اقصاها بدءا بدورة المياه وانتهاء بمارسة الحق في الخصوصيات الشخصية الاكبر، في الوقت الذي يتم فيه تأمين ومراعاة حقوق الحيوانات في اوروبا.

يضاف لذلك تنامي ظاهرة العنصرية في الغرب، وتصاعدها لدرجة تحميل اللاجيء تبعات واعباء ما يحدث في الدول الغربية من كوارث، وصلت اخيرا الى تحميله اعباء الازمة الاقتصادية بكاملها، واذا ما اخذنا بعين الاعتبار تلك الظروف الذاتية المتعلقة باللاجىء نفسه، فاننا سنجد ان الموضوع اكبر واعمق من التوقف امامه بهذه العجالة، الامر الذي يستدعي الدخول والتوسع في تفاصبل وثنايا الموضوع.

ماجد قرمش

majedqormosh@yahoo.com

للتعليق على الموضوع، يرجى النقر على ” تعليق جديد ” في الاسفل، والانتظار حتى يتم النشر.