لينا سياوش
لينا سياوش
2021-09-16

مقال رأي: من بين زملائي في العمل، زميلتان سويديتا الأصل، أرى فيهما صوراً مصغرة للشكل الذي يبدو عليه النسيج الاجتماعي السويدي في كيفية تقبله للأجانب وقبوله فكرة الاندماج مع اشخاص ينتمون في الغالب لثقافات وسلوكيات مختلفة.

والزميلتان، مليسيا وكاترينا وهي أسماء غير حقيقية، قريبتان الي بشكلين مختلفين، تماماً كما هما. أتعامل معهما وفقاً لشخصياتهما المختلفة، فبينما ميلسيا المنفتحة على الآخرين والمدركة لحقيقة اننا كبشر لنا أنماط مختلفة في الحياة تعتمد الى درجة كبيرة على طبيعة المجتمعات التي تربينا فيها، ترفض كاترينا في بعض الأحيان فهم هذه الاختلافات وتنظر الى الأمور من زوايا ضيقة تتحدد خطوطها العامة بالمفاهيم التي نشأت وتعودت هي عليها، ما يجعل معظم الزملاء من أصول غير سويدية ينفرون منها ولا يتعاطون معها الا بما يتطلبه العمل.

تعطي كاترينا لنفسها الحق في الحديث عما تريد بحرية كاملة، تماما كما هو المجتمع السويدي، لكنها تنزعج من أخرين ينتمون لثقافات مختلفة عندما يتحدثون بحرية عن افكارهم، اذ ترى تلك الأفكار غريبة عنها وهذا لوحده يكفي لان تضع فاصلا بينها وبينهم.

يمكن لكاترينا بسهولة ان تصبغ الخطأ بالجنسية الأجنبية، هي هكذا، يحلو لها ان تفهم الأمور على هذه الشاكلة رغم انها في طبيعتها ليست بالمرأة السيئة، لكنها تتعامل مع غير السويديين بمقاسات خاصة وأحكام وضعتها بنفسها

 الحديث مع كاترينا يجب ان يكون احادي الجانب، لا مجال لنقاشات ثنائية الطرفين، ان تندمج مع كاترينا على اساس انها زميلة في العمل، يعني ان تستمع اليها وان تتقبل تقلبات مزاجها المستمرة وان تجهد نفسك في تحليل شخصيتها بهدف النجاح في التواصل معها على الأقل فيما يخص العمل، وعلى المتحدث اليها ان يظهر لها قدرات تفوق الجيدة في اللغة السويدية وسلوكيات بالغة القرب من سلوكياتها كي تمنحه قبولاً أكبر من البقية، متناسبة اننا من عوالم مختلفة.

يمكن لكاترينا بسهولة ان تصبغ الخطأ بالجنسية الأجنبية، هي هكذا، يحلو لها ان تفهم الأمور على هذه الشاكلة رغم انها في طبيعتها ليست بالمرأة السيئة، لكنها تتعامل مع غير السويديين بمقاسات خاصة وأحكام وضعتها بنفسها. الحذر واجب معها في كل كلمة وتصرف وهذا ما أفعله.

ميلسيا وهي سويدية الأصل أيضاً لها طبيعة اخرى، تنتمي الى فئة الأشخاص المنفتحين على الأخرين، المتقبلين لفكرة ان عوامل عديدة تساهم في قولبة الإنسان وبناء شخصيته، هي على معرفة بان الإنسان حصيلة تجاربه واننا لكي نعيش ضمن المجتمع نفسه علينا جميعاً الاجتهاد من اجل تقبل الآخر وفهم عالمه المغاير لعالمنا، علينا كأفراد ان نكون فعاليين وصادقين في رغبتنا بفهم الثقافات المغايرة لثقافاتنا وتفهم/ تقبل اختلافاتنا شريطة ان لا نكون سببا في أذية أحدنا الآخر وان يكون الهدف هو بناء المجتمع الذي نعيش فيه.

تجعلني مليسيا وكاترينا على مقربة كبيرة من فهم المجتمع السويدي، فهو بالضبط كذلك منقسم الى جبهتين، الأولى متقبلة لفكرة ان يعيش اشخاص من أصول غير سويدية في السويد والثانية ترى ان العرق السويدي هو فقط مَن يحق له العيش في البلاد مع مراعاة ان المجموعتين يفضلان دائماً احترام الإبقاء على مسافة محددة سواء في العلاقات او التعامل او حتى الكلام. فلا شيء أعز على السويدي من استقلاليته.

على المجتمع السويدي أيضا ان يتقبل المهاجرين ويحاول من طرفه الاندماج معهم، والاهم قبولهم كشركاء

حقيقية يعرفها الجميع، ان شريحة من المهاجرين فضلوا التكاسل والعيش على الإعانة الاجتماعية التي تقدمها الخدمات الاجتماعية في الوقت الذي كان امامهم متسع من الوقت لتعلم اللغة والانخراط بعمل ما حتى ولو بشكل جزئي، لكن الفئة الأكبر منهم كافحوا وذاقوا الأمرين من اجل تعلم اللغة والدراسة والخوض في سوق العمل السويدية بشكل ولا أروع. الكثير من المهاجرين حاولوا ويحاولون جاهدين الاندماج والتكيف مع مجتمعهم الجديد وفقاً لما يناسب افكارهم وميولهم، الكثير منهم يحسون بالفعل بالانتماء الى هذا البلد ويمتلكون الفهم الكامل لضرورة ان يكونوا منتجين ويبدعوا فيما يعملون به لأنهم مدركين لحقيقة ان عليهم ان يظهروا من التفوق أكثر مما يظهره ابن البلد كي يكرسوا وجودهم وبقاءهم على هذه الأرض ويخلقوا موطأ قدم راسخة فيها يعززون من خلالها مستقبل ذريتهم.

مقابل ذلك على المجتمع السويدي ان يتقبل المهاجرين ويحاول من طرفه الاندماج معهم، والاهم قبولهم كشركاء، لهم على هذه الارض ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات وان ينظروا إلى الفرد بشكل مستقل مثلما اعتادوا النظر الى انفسهم، فالأخطاء او الإشكاليات مجردة من ان تكون منتمية الى جنسية او لون أو دين معين، بل هي تحصيل حاصل لوعي الفرد وظرفه الاجتماعي، هي أمور منوطة بالشخص نفسه وغير منسوبة بالضرورة الى المهاجرين، من يعمل الخطأ مسؤول عنه سواءً كان سويدياً بالأصل او سويدياً مهاجراً، وعلى الشاكلة نفسها يجب التعامل مع الأشخاص الذين يطوون الليل بالنهار للوصول الى اهدافهم وإثبات انفسهم كأفراد صالحين في المجتمع مثلما يفعل الكثير من المهاجرين.

لينا سياوش

مقالات الرأي تعبر عن كتابها وليس بالضرورة عن الكومبس

Related Posts