Lazyload image ...
2015-05-25

الكومبس – مقالات: قبل 11 عاما اتصل بي صديق أمريكي الأصل مقيم في السويد بعد أن رفض والده الخدمة في الجيش الأمريكي في ستينات القرن الماضي كي لا يساق الى الحرب في فيتنام فهاجر الى السويد ومثله فعل العديد في حينها . المهم في الأمر أن هناك شركة أمريكية يمثلها في السويد صديقي هذا تريد التحقق من صفقة تجارية موجودة في نيجيريا ؛ وأن أصحاب الشركة وحتى صديقي رغم كونه آفرو – أمريكي كانوا يخشون السفر الى تلك البلاد وعرضوا علي مبلغا كبيرا من المال مقابل ذلك . طبعا وافقت بعد أن تسلمت منهم رسالة خطية في حال حصول أي مكروه يتحملوا هم كل التبعات المادية والمعنوية تجاه أسرتي.

القصة هي أن احدى الشركات النيجيرية ادعت ملكيتها لحوالي 3 مليون طن من حديد السكك الحديدية الخردة وقد عرضته للبيع بسعر 120 دولار للطن في حين أن سعره في السوق العالمي هو ضعف هذا السعر تقريبا .

قبل السفر تواصلت مع الشخص صاحب الشركة النيجيرية الذي قال أنه سينتظرني في مطار لاغوس وأن اسمه عمر وسألته من باب اللياقة عما اذا كان هناك ما يريدني احضاره له من السويد بشكل شخصي ؛ قال : فقط ؛ لاب توب !!! طبعا بمواصفات عالية بالاضافة الى قرآن كريم باللغة الانجليزية . ردي كان أن موضوع الكمبيوتر عليه بحثه مع أصحاب الشركة الأمريكية وأنا لا أعمل لدى هذه الشركة ؛ أما القرآن فكان جلب نسخة بالأمر الهين لأنه متوفر مجانا لدى كل المساجد في السويد.

وصلت مساء الى مطار لاغوس وكان عمر بالانتظار مرتديا جلبابا من الحرير وتبدو عليه علائم النعم وكان معه اثنان من المرافقين بسيارة كانت تسير أمامنا في حين ركبت أنا مع عمر بسيارته التي كانت بورشيه موديل العام ؛ طوال الطريق كانت أبواب السيارة والنوافذ مغلقة من الداخل لأن رائحة عوادم السيارات والموتورسيكلات كانت تزكم الأنوف اضافة الى أننا مشينا حوالي 2 كيلومتر بسرعة 10 كم/سا في منطقة قريبة من المطار حيث وقف مئات الباعة يحاولون فرض بضائعهم على المركبات القادمة من طريق المطار. أخيرا وصلنا الى الفندق بعد مسير حوالي ساعتين ؛ عمر تركني أرتاح من عناء السفر على أن نذهب في اليوم التالي الى موقع تجميع الحديد.

الغريب في ذلك الفندق رغم فخامته كان له بوابة حديدية عليها حراس برشاشات ولا يسمح لأي بالدخول مالم يعرف عليه من داخل الفندق.

في اليوم التالي جاء عمر حسب الموعد وانطلقنا مسافة نصف ساعة ثم توقفنا بانتظار أشخاص كان هو على اتصال معهم عبر هاتفه النقال ؛ وكان يتكلم لغة لم أفهم منها شيئا . ربع ساعة من الانتظار وصلت سيارة بها ثلاثة أشخاص أحدهم رجل في الستين من العمر ؛ انطلقنا بعدها سويا مسافة ربع ساعة تقريبا وتوقفنا عند أحد المساجد على مقربة من غابة كثيفة عندها استأذن عمر بالدخول هو والآخرين الى المسجد لأداء الصلاة بينما توجهت أنا بصحبة الرجل الكبير السن نحو الغابة.

في الطريق كنا نلتقي ببعض السكان الذين كانوا يهرعون نحو مرافقي ويقبلون يده وهو بدوره يعطيهم نقودا لم أعرف قدرها لكن الأمر تكرر عدة مرات أثناء مسيرنا حتى وصلنا الى أول مجمع للحديد ثم رأيت آخر وآخر حوالي 24 مجمع وبين تلك المجمعات كانت أكثر من حرباء خضراء اللون بطول متر ونصف تمر بقربنا بسلام وكأنا غير موجودين . طبعا قمت بالتقاط صور للمجمعات حسب طلب الشركة التي أرسلتني وهذا هو كل ما كان مطلوبا مني.

خرجنا من الغابة وعدت برفقة عمر الى الفندق مباشرة حيث قمت بارسال الصور وشريط فيديو لصديقي في السويد وأبلغته بما رأيت بأم العين وقد أعجبه ذلك وأبلغني لاحقا أن الشركة مسرورة كذلك بما أرسلته من صور .

بعد ذلك طلبت من عمر الذهاب الى مكتب شركة طيران لوفتهانزا لتقديم موعد السفر . في الطريق لم تعجبني بعض تصرفات عمر اذ كان حريصا على السير على جانبي الأيمن وأكثر من مرة أبعد أناس بطريقة خشنة بعض الشيء كي لا اصطدم بهم علما أن مثل ذلك قد يحصل في أي مكان في العالم في الشوارع الرئيسة وسط البلد لكني لم أحدثه عن مشاعري وكل همي هو تقديم موعد سفري والعودة الى السويد بأسرع ما يمكن خصوصا أني قد أديت ما جئت من أجله على أكمل وجه.

عمر جاء واصطحبني الى المطار في اليوم التالي وكانت علائم الارتياح بادية على محياه بعد ما سمعه عن رضاء الشركة على ما أنجزت . موعد السفر تزامن مع وقت خروج الموظفين لذا استغرقت رحلة الوصول للمطار قرابة الخمس ساعات بدلا من ساعتين ولأن التدخين ممنوع داخل السيارة فقد تنفست الصعداء عند الوصول الى المطار ؛ ودعت عمر وأخرجت سيجارة للتدخين قبل دخول المطار لكني فوجئت برجلي شرطة جاءا على عجل وأبلغاني أن التدخين ممنوع سواء داخل المطار أو خارجه حفاظا على البيئة رغم أن نسبة التلوث في الخارج كانت عالية جدا من كثرة عوادم المركبات التي كنت أراها طوال الطريق تبث سموما سوداء نحو الفضاء مع ذلك جاءت عاملة تنظيف في المطار وسألتني هل تريد التدخين ؛ قلت أكيد لكن قيل لي أن التدخين ممنوع . قادتني الى أحد الحمامات حيث وقفت خارجه وانا تمكنت من تدخين سيجارتين مقابل دولار واحد .

الغريب أن رحلتي الذهاب والاياب كانتا مليئتين وحركة الطيران من اوروبا الى نيجيريا والعكس بالعكس كانت كبيرة جدا .في كل الأحوال حمدت الله على العودة بسلام من رحلة كانت نحو المجهول بالنسبة لي .

الشركة اطمأنت الى وجود الحديد فقررت وضع الاتفاق على أوراق قانونية . حقيقية الأمر أن كل ما رأيته كان وهما ومسرحية دبرتها عصابة محترفين تمكنوا من ابتزاز الشركة التي أوفدتني بمبلغ مادي كبير بدعوى لزوم دفع رشاوى لوزراء وأناس متنفذين لاصدار وثائق للسماح بنقل الحديد (الذي لم يكن ملكا لهم ) خارج البلاد. كما عرفت لاحقا أنهم فعلوا الشيء نفسه مع شركات أخرى قبل أن يختفي الجميع دون أن يعثر لهم على أثر.

هذا درس لكل من تصلهم رسائل عن مبالغ مالية أو ورث من أحد الأرقارب لم يسمع به قبلا بانتظارهم وأن كل ما هو مطلوب معلومات كاملة بما فيها أرقام الحسابات البنكية .

حذار ثم حذار من هكذا رسائل لأنها فخ محكم من قبل عصابات محترفة.

بقلم الكاتب الصحفي : قيس مراد قدري