Lazyload image ...
2012-07-11

إذا كان من حاجةٍ إلى دليلٍ على عدم إيمان المسؤولين الجزائريين والمغاربة بـ«الوحدة المغاربية»، فهو استمرارُ إغلاق الحدود البرية الجزائرية ــ المغربية منذ 1994 إلى اليوم، أي طوال 18 سنة، تُضاف إليها 14 سنة هي مدّة إغلاقها بين 1975 و1989 إبّان الصراع المسلح بين الجيش المغربي وجبهة البوليساريو التي تدعم الجزائر مطالبتها بإعطاء سكان الصحراء الغربية حق تقرير المصير.

إذا كان من حاجةٍ إلى دليلٍ على عدم إيمان المسؤولين الجزائريين والمغاربة بـ«الوحدة المغاربية»، فهو استمرارُ إغلاق الحدود البرية الجزائرية ــ المغربية منذ 1994 إلى اليوم، أي طوال 18 سنة، تُضاف إليها 14 سنة هي مدّة إغلاقها بين 1975 و1989 إبّان الصراع المسلح بين الجيش المغربي وجبهة البوليساريو التي تدعم الجزائر مطالبتها بإعطاء سكان الصحراء الغربية حق تقرير المصير.

خلال 32 سنة من 50 هي عمر الجزائر و56 هي عمر المملكة المغربية، فُتحت هذه الحدود مرة واحدة، في 20 شباط/ فبراير 2009، لتعبرَها قافلةُ تضامن بريطانية مع سكان قطاع غزة. لا شكّ في أنّ هذا الوضع فريدٌ من نوعه على المستوى العالمي بين بلدين لا حربَ بينهما، بل بالعكس، تربطُهما معاهدةُ «أخوة» و«صداقة»، هي معاهدةُ مراكش (17 شباط/ فبراير 1989) التي تنصُّ مادتُها الثالثة على وجوب السعي إلى «تحقيق حرية تنقل الأشخاص والخدمات والبضائع والرساميل» بين الدول المغاربية الخمس.

وللتذكير، أُغلقت هذه الحدودُ في 1994 بقرار من السلطات الجزائرية، رافقه اشتراطُ حصول المغاربة المسافرين إلى الجزائر على تأشيرة قنصلية، ما كان ردّاً بالغَ الصرامة على فرض السلطات المغربية الشرط نفسه على الجزائريين المسافرين إلى المغرب إثر اتهامِها جهازَ الاستخبارات الجزائري بتدبير تفجير مراكش في 24 آب/ أغسطس 1994. وهو اتّهامٌ طرحته جانباً بعد أن أقنعها تحقيق فرنسي موازٍ في القضية بأنّ الجناةَ ينتمون إلى خلية أصولية مسلحة.

وقد استبشر الجزائريون والمغاربة ــ وعامة المغاربيين ــ خيراً بمبادرة السلطات المغربية سنةَ 2004 إلى إلغاءِ اشتراطِ حصول الجزائريين على تأشيرة لدخول المغرب، واتخاذ الجزائر قراراً مماثلاً لمصلحة المغاربة سنة 2005، لكن البشرى كانت زائفةً وسرعان ما تبخرت في سماء «الخلاف التاريخي» بين الدولتين على مصير الصحراء الغربية.

وفي ما فُسِّر بأنّه لعبٌ على وتر السياسة الخارجية لمنع امتداد الثورات العربية إلى الجزائر والمغرب، انتعشت في 2011 وعودُ فتح الحدود البرية بينهما، إلا أنّها لم تتجسد بعدُ. فالأمرُ، كما يعلم الجميع، يحتاج إلى «تحضير» و«تشاور» و«تبادل وجهات النظر»، أكثر من احتياجه إلى جرأة سياسية، بل إنّ ما نشهده هذه الأيام قد يكون بدايةَ التراجع عن هذه الوعود لاستبدال حلم شعبي هو «القضاء على الحدود الموروثة عن الاستعمار» بنصف حلم رأسمالي هو «إنشاء رواق اقتصادي» بين البلدين يُسمح بعبوره للسلع دون البشر.

وقد صِيغَ مقترحُ إنشاء هذا «الرواق» في الجزائر في كانون الثاني/ يناير 2011 من طرف «مجموعة العمل والتفكير في المؤسسة» ومَثَّل، بشكل ما، طريقاً وسطاً بين الوضع القائم ونقيضِه، أي رفعِ كلّ القيود عن حركة البضائع والأشخاص بين البلدين. لكن يُخشى أن يتوقف تطبيع العلاقات الجزائرية المغربية عند هذا الحل المؤقت ويتأخر فتح الحدود الكاملُ سنين طويلة أخرى.

ولا جدلَ في أنّ الاقتصادَ يفسّر تباطؤَ السلطات الجزائرية في فتح هذه الحدود، ويفسر كذلك رغبةَ السلطات المغربية في التعجيل به. ما يُثني الجزائر عن اتخاذ هذا القرار هو خوفُها من اختلال الميزان التجاري لمصلحة المغرب واقتناعُها بأنّ المتضرّر من احتضار الحركة التجارية والسياحية الحدودية هو أقصى شرق المملكة المغربية الفقيرُ، لا أقصى غرب الجزائر المستفيدُ (مهما كان) من بعض ريعِ البترول. ولا يقلّ هذان العاملان الاقتصاديان أهمية في تفسير موقفها عن العامل السياسي: أي الرغبة في استغلال طمعِ الرأسمالية المغربية في دخول السوق الجزائرية لتحقيق أكبر مكسب ممكن في «الملف الصحراوي».

وتبدو الحقيقة الاقتصادية أكثر تعقيداً مما تُصوّر لنا عليه. اختلالُ الميزان التجاري بين البلدين لمصلحة المغرب ليس خطراً داهماً بالنظر إلى ميلِ كفَّته حالياً ميلاً واضحاً إلى الجزائر (بفضل صادراتها البترولية)، كذلك فإنّ بعض قطاعات الصناعة الجزائرية (المواد الغذائية، مواد البناء، إلخ) ستستفيد من انفتاح السوق المغربية أمامها، وهي سوق تضاهي في حجمها السوق المحلية (عدد السكان نفسه تقريباً). أما كونُ الغرب الجزائري أقلَّ تضرراً من الشرق المغربي من هذه الوضعية، فيجب أن يُنظر إليه كمعطى مؤقتٍ سيُغيِّره لا محالةَ انخفاضُ العوائد البترولية الجزائرية.

هل ستقتنع السلطات الجزائرية يوماً بأنّ فتحَ الحدود البرية مع المغرب سيفتح للجزائر طريقَ تنويع صادراتها إلى هذا البلد (وغيره)، وأنّ انتعاشَ السياحة المغاربية سيعود بالخير على «قطاعها الثالث» فيجبرَه على تحسين خدماته وتوسيع استثماراته (ما سيكون، بالمناسبة، أحد طرق تحضير «عصر ما بعد البترول» الشهير)؟ قد يُقنعها بذلك أمران اثنان على رأي الجريدة الإلكترونية المغاربية Maghreb Emergent، في مقال نشرته في 3 تموز/ يوليو 2012: الأمر الأول هو انقضاء حقبة «الاطمئنان المالي» التي تعيشها منذ مطلع سنوات الألفين (وقد لاحت علاماتُه في الأفق بتراجع أسعار البترول إلى أقلَّ من 110 دولارات للبرميل)، والأمرُ الثاني هو تجسيدُ «الحقوق الخمسة» التي يسعى الرئيس التونسي، منصف المرزوقي، إلى منحِها في بلده للرعايا المغاربيين (حق التصويت في الانتخابات المحلية والسفر إلى تونس والإقامة والعمل والاستثمار فيها بحرية تامة): سيكون من الصعب على السلطات الجزائرية أن تستمر في تحجيم المبادلات التجارية والبشرية مع جارتها الغربية، إذا أصبح للجزائريين مطلقُ الحرية في السفر والعمل والإقامة على تراب جارتها الشرقية.

وفي انتظار فتح حدود لم تكن يوماً موجودة خلال آلاف السنين، ولم تغلق منذ بدء رسمها في 1845 إلا بعد انطلاق عملية «البناء المغاربي»، لا خيارَ أمام المسافر من مدينة مغنية الجزائرية الحدودية إلى وجدة، على الجهة الأخرى من الشريط الحدودي، سوى أن يعيش العبثيةَ في أجلى صورها؛ إذ يجب عليه، نظرياً، أن يتوجه شرقاً إلى وهران (180 كلم) ويركبَ طائرةً تحطّ به في الدار البيضاء في المغرب (500 كلم) ويقطعَ 400 كلم في اتجاه الشرق ليصل إلى وجهته، وكان بمقدوره أن يصلَها في نصف ساعة، لو لم تكن «الوحدة المغاربية» وهماً والعصبياتُ القومية أمراً واقعاً.

ياسين تملالي

الأخبار البيروتية

11 يوليو 2012