Lazyload image ...
2016-04-04

الكومبس – مقالات الرأي: أواخر الليل …….

ودقات ساعة الحائط تشير إلى الواحدة من صباح يوم …؟ نسيت اسمه ؟ أو ربما لم أعد أذكر ما اسمه ؟ وعلى الأغلب لم يعد يهمّني اسم ذلك اليوم ، لطالما كانت الشمس تشرق فيه وتغيب، مثله مثل كلّ الأيام التي عشتها في حياتي .. والتي كانت ولا زالت الشمس تشرق فيها وتغيب، وكذلك معها كلّ الأحلام والآمال والأوهام التي تولد مع كلّ شروق .. ثم تذبل وتتلاشى مع كلّ غروب .
في تلك الأجواء التي خيّمت على حياتي ، أجواء البؤس والتعاسة والشقاء والضياع، كانت فيروسات الحياة تغزو جسدي النحيل، وعلمت فيما بعد بأن ذلك الغزو كان ضرورياً من أجل تشكيل المناعة اللازمة لنماء هذا الجسد ليستطيع  مواكبة أهوال ما تخفيه هذه الحياة في زواياها المظلمة والمبهمة .
وما أن بدأت أشعر بحرارة هذه الحياة وبرودتها وأميّز بين ليلها ونهارها وشقائها وألمها وتعاستها حتى وجدت نفسي مقتحماً المدرسة الإبتدائية لأتعلم فيها الأحرف الأبجدية، وأتعلم فيها كيفية توصيل هذه الأحرف لتشكيل جمل وعبارات يمكن لها في يوم من الأيام من وصف وتوصيف ذلك البؤس الذي عشته في طفولة صبغها الوهم وشكلتها الأحلام وصاغتها تلك الظروف القاسية .
ومع مرور الأيام وبعدما اتقنت قراءة وتوصيل الأحرف مع بعضها البعض وتركيب الجمل المفيدة والضارة والابتدائية والخبرية والمعترضة والسوداء والبيضاء والملونة  …. انتقلت إلى مرحلة دراسية متقدمة لأتابع فيها التعرف على بعض أسرار الحياة .
واكتشفت في هذه المرحلة أحلام الماضي المدفونة تحت الأرض، والأوهام التي كنت أطاردها في السماء، وبدأت التعرّف على عوالم من السحر والخيال الذي صبغ بألوانه الزاهية البراقة ليلي ونهاري … وعندها بدأت استوعب معنى الألوان ودلالاتها وخصائصها وأبعادها والفروقات التي تتمايز بها .. وأدركت يومها ماذا يعني قوس قزح …..
وكان تأثير تلك الحروف التي تعلمتها ، وأسرار الألوان التي اكتشفتها ، واضحاً في تسليط الضوء على حياة قضيتها بين البيت والمدرسة ومسرح الحياة، وما يفصل بينهما من طرقات وفروقات ومنعطفات ومنزلقات …

اكتشفت بأن نمط الحياة في البيت شيء ؟ وفي المدرسة شيء آخر ؟ أمّا على مسرح الحياة فكان مختلفاً تماماً بل مغايراً لكل ما سواه ؟ ففيه تتجلّى كلّ المتناقضات التي يعيشها الفرد في حياته المتعثّرة والمتعرّجة والمتنافرة المليئة بالأساطير والأوهام

وعندما خبرت هذه المتناقضات وبدأت باستيعابها …. حصلت على الشهادة الثانوية والتي أهّلتني لمتابعة دراستي في جامعة دمشق .
في الجامعة …. عالم آخر …بل عوالم من الوهم الملوّن والأكاذيب المنطقية … في هذه الأجواء انتقلت إلى فضاء أرحب وأوسع وأشمل تجاوزت فيه مرحلة الشعور إلى مرحلة الإحساس … الإحساس المضني والمؤلم بشيء أو بأشياء غريبة مريبة صعبة ومتشابكة ؟
في المرحلة الجامعية … تعلمت دراسة القوانين السماوية، ودراسة القوانين البشرية، وألحقت بهما قوانين شريعة الغاب وشريعة حمو رابي وشريعة الوصول للمآرب بأسهل الطرق والأسباب، وبدأت باكتشاف كيفية تشريع تلك القوانين وكيفية صياغتها وحيثياتها، وأدركت عندها وعرفت تماماً وأيقنت بأن  من يملك القوّة يملك القرار .
وأدركت أيضاً بأن القوانين إنّما شرعت لحماية الإنسان من عدوان أخيه الإنسان ؟  وتساءلت، إذا كانت الظروف هي التي تصوغ الإنسان ! فلماذا لا تصاغ هذه الظروف بطريقة إنسانية ؟
ثم اكتشفت عوالم أخرى من مجاهيل هذه الحياة العميقة والبعيدة عندما حاولت –  وبعد اكتساب المعارف اللازمة لذلك – أن أغوص إلى أعماق هذه الحياة …. إلى قاع المجتمع …. إلى قاع النفس البشرية  ..
لقد كانت رحلة مضنية ومتعبة وشقية ولكنها كانت ممتعة لدرجة الإحساس بلذّة النيرفانا … لذّة اكتشاف المعرفة … المعرفة التي دفعت من تذوٌق طعمها الى الخروج من عالمه والدخول في عالم آخر وهو يقول : وجدتها …. وجدتها …
في القاع …… هناك عوالم أخرى من الحياة تختلف تماماً عمّا تبدو في الظاهر …
إنّ سطح هذه الحياة يخفي في أعماقه عوالم أخرى مخيفة أحياناً … ومرعبة في أكثر الأحيان .

الدكتور محمد برازي